المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم الأخبار بيان الألكسو بمناسبة الاحتفال بيوم التراث الثقافي العربي

بيان الألكسو بمناسبة الاحتفال بيوم التراث الثقافي العربي

يوافق يوم 27 فبراير، الذي تقرّر أن يكون يوم الاحتفاء بالتراث الثقافي العربي، تاريخ حادثة تدمير آثار الموصل بالعراق على أيادي عصابات العنف والتطرّف، أعداء الحياة وأنصار ثقافة الموت، الذين طالت أعمالهم البشعة والآثمة المنطقة العربية، مهـدَ أُولى الحضـارات الإنسانية التـي تعاقبت على أديمها عبـر العصـور.
ويُعدّ التراث الثقافي بكلّ مكوناته، المادّية وغير المادّية، وبعُمقه التاريخي وبتنوّع عناصره ومُكوّناته، إلى جانب اللغة، أحد أهمّ رموز الهُويّة الثّقافية العربيّة، وتعبيرا عن روح أصالتها وانفتاحها، ومنبعا للإلهام والإبداع الفنّي للأجيال السّابقة والمعاصرة واللاحقة، وشاهدا على مدى تقدّم الثّقافة العربية عبر العصور وإسهاماتها في بناء الحضارة الكونية في مختلف المجالات الحياتيّة من معرفة وعلوم وتعبيرات فنّية وسكن وتهيئة ذكيّة للمجال الحضري، مثلما تُبيّنه المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي تزخر بها المنطقة العربية، وخاصّة تلك المُسجّلة على قائمة التّراث الانساني.
ولم يكن الوعي بأهميّة تراث الأمّة العربيّة وترسيخ عمليّة الحفاظ عليه وحمايته حدثا جديدا أو عارضا، فقد نصّت المادّة السّادسة من المعاهدة الثقافية، التي أقرّها مجلس جامعة الدول العربية منذ عام 1945، على ضرورة أن تتعاون الدّول العربية على إحياء التّراث الفكري والفنّي العربي والمحافظة عليه ونشره وتيسيره للطّالبين بمختلف الوسائل. وشكّلت مؤتمرات الآثار والتراث الحضاري في الوطن العربي، منذ بدايتها عام 1947 وحتى اليوم، مواعيد مُتجدّدة لأصحاب القرار والمهنيّين والمتخصّصين لوضـع الخطـط والاسـتراتيجيات الكفيلة بالمحافظة على التراث الثقافي في البلدان العربية، وسـنّ التّشـريعات والقـوانين الخاصّـة بحماية هذا التّراث من عوامل التّدمير المختلفة، ووضع البرامج الخاصّة بالتّدريب وبناء الكفاءات العربيّة وتأهيل الكوادر والمُتخصّصين بالطّرق والأساليب الحديثة الملائمة.
وبمُوجب المادّة الخامسة عشرة من ميثاق الوحدة الثقافية العربيّة لعام 1964، تمّت الدّعوة من جديد إلى أن تتعاون الدّول العربيّة فيما بينها على إحياء التّراث العربي، الفكري والفني، والمُحافظة عليه ونشره وتيسيره للطّالبين بمختلف الوسائل، وعلى ترجمة روائعه إلى اللغات الحيّة، وهو ما أكّده دستور المنظّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منذ إنشائها عام 1970، من خلال إيلاء التّراث الثّقافي العربي ما يستحقّ من العناية والاهتمام في برامجها ومشروعاتها. وفي هذا الإطار، عزّزت المنظّمة عملها في مجال المحافظة على التّراث في البلدان العربيّة وصونه بقرار مؤتمرها العامّ في شهر ديسمبر 2010 بإحداث برنامج خاصّ بحماية التّراث، إلى جانب التوجّه إلى تنسيق السّياسات الثقافية العربية المعنيّة بالمحافظة على التراث الثقافي، في إطار مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثّقافية في الوطن العربي منذ أول اجتماعاته عام 1976.
كما دأبت المنظّمة على اتّخاذ الاستشراف والتّخطيط المستقبلي لأعمالها أسلوبا ومنهاجا، فأصدرت الخطّة طويلة الأمد (1984-2001) والخطّة الشّاملة للثّقافة العربيّة عام 1985، لتستأنس بها الدّول العربية عند تسطير خططها الخاصّة بالتّنمية الثقافية وفقاً لإمكاناتها وخُصوصيّاتها. واعتُبرت هذه الخطّة إسهاماً عربيّاً في العقد العالمي للتّنمية الثّقافية (1988-1997) الذي دعت إليه الأمم المتحدة، وإطارا للعقد العربي للتنمية الثقافية (2005-2014).
وينضاف إلى هذه الجهود تحديث الخطّة الشاملة للثّقافة العربيّة وتعديلها عام 2011، ووضع خطط العمل المستقبلي للألكسو (2005-2010) و(2011-2016) وأخيرا (2017-2022)، حيث استوعبت هذه الخطّة في مبادئها ومحاور عملها وأنشطتها رسالة المنظّمة وأهدافها الاستراتيجية ذات الصّلة بحماية التراث والمعارف التّقليدية وتوظيفها لتحقيق التّنمية المُستدامة في الوطن العربي، وتعزيز جهود الحفاظ على ذاكرة المدن التّاريخية في البُلدان العربية وأنسجتها العمرانية والمعارف والمهارات التقليدية المُتّصلة بها، وتنسيق السياسات الخاصّة بحماية المخطوطات، وصياغة استراتيجية إقليمية لحماية التراث الثقافي المهدّد بالتّدمير، وإطلاق مرصد التّراث المعماري والعمراني في البلدان العربية كآلية لتنفيذ ميثاق المحافظة على التّراث العمراني في الدّول العربية وتنميته.
وتُعتبر الثّقافة اليوم أحد أهمّ مرجعيّات العمل العربي المشترك، إذ يظلّ تراثنا الثقافي المُشترك، بكلّ مُكوّناته، أحـد أبـرز أُسـس الحفـاظ علـى وحـدتنا العربيـة وخـطّ الـدّفاع الأوّل لمُواجهة المخاطر التي تُهدّدها، وهو ما يتطلّب تعبئة شاملة لمواصلة جهود المنظّمة والدّول العربية وتعزيزها وتفعيلها في كلّ ما يتعلّق بحماية التراث العربي، بشقّيه المادي وغير المادي، والتحسّب للمخاطر قبل حدوثها، والوقاية المُسبقة من مضاعفاتها بأسلوب فاعل وخطط واضحة ومُجدية، قادرة على استشراف تلك الأزمات وتحديد عناصرها، وبناء استراتيجيات وسيناريوهات للتّعامل معها، ومُواجهة التّأثيرات السّلبية المُترتّبة عنها، وذلك بالتّعاون مع الجهات الرّسمية الوطنيّة الفاعلة، والمنظّمات الدّولية والإقليميّة ذات العلاقة، والمجتمع المدني، والمُستثمرين الخواصّ في مُختلف مجالات الثّقافة. فمشروعنا الثقافي اليوم قائم على تغيير النّظرة القديمة للتّراث، من عبء ماليّ على ميزانيات الدّول العربية، إلى مورد رزق ومصدر لتوفير الشّغل وتحقيق الرّخاء الاقتصادي والتنمية الاجتماعية المبنيّة على الاعتدال والانفتاح على الحضارات كمبدأ لتحقيق الأمن والسّلام.