الببليوغرافيا

الأسلوبيّة

    ظهر مصطلح الأسلوبيّة أوّل ما ظهر بألمانيا في منتصف القرن التّاسع عشر .وقد وسم به الألمانيّ إرنست برجي ( Ernest Berger) كتابه الأسلوبيّة اللاّتينية Stilistiche Übungen der lateinischen Sprache وترجمه إلى الفرنسيّة بعنوان La Stylistique .وكان يعني بالأسلوبيّة المناهج المعتمدة في دراسة العبارات المتكلّسة وطرائق التّعبير المستقرّة في لغة مّا. فهي إذن معرفة تطبيقيّة لخصائص لغة مّا وخاصّة مجازاتها ومسكوكاتها. وأوّل من أرسى مصطلح الأسلوبيّة ورسّخه بحثا وتنظيرا حتّى عُدّ أبا لها هو شارل بالّي ( Charles Bally ) في مؤلّف له وسمه بمختصر الأسلوبيّة صدر في جونيف سنة 1905 ثمّ أتمّه في بحث آخر بعنوان رسالة في الأسلوبيّة الفرنسيّة (Traité de Stylistique Française) .ولكنّه نحا بالأسلوبيّة منحًى خاصّا ، إذ هي عنده علم يُعنى بدراسة طاقة اللّغة في التّعبير عن الانفعالات والمشاعر أو القيمة الشّعوريّة الانفعاليّة المكوّنة للنّظام التّعبيريّ للغة معيّنة في فترة مّا.وهذا النّظام يقابل نظامها النّحويّ . فإذا نظرنا في لغات المعمورة واحدة واحدة واستخرجنا منها ما تشترك فيه من وسائل التّعبير الشّعوريّة عن الذّات تمكّنّا من الحصول على النّظام الجامع لوسائل التّعبير البشريّة الانفعاليّة .وهو ما يمكن أن نقابله بالنّحو الكونيّ. ففي وجه من الوجوه تبدو أسلوبيّة بالّي ضربا من إحياء قسم العبارة في الخطابة الأرسطيّة مضافا إليه هذا البعد الكونيّ ، تأثّرا بأستاذه فردينان دي سوسير ( Ferdinand De Saussure ) في لسانياته العامّة. وقد حصر شارل بالّي البحث في ما يعبّر عن انفعال الذّوات المتكلّمة على نحو عفويّ .ولذلك نجده قد أخرج من دائرة اهتمامه دراسة الخصائص الفرديّة في استعمال اللّغة وخصائص أجناس القول ورفض الاعتناء بالأعمال الأدبيّة حيث تستعمل اللّغة عن قصد لإنشاء أثر جماليّ مّا. فالأديب يجعل من استعماله اللّغة استعمالا متعمّدا واعيا . وهو أيضا يستعمل اللّغة في مقصد جماليّ . "وهذا كاف لفصل الأسلوب عن الأسلوبيّة إلى الأبد" (رسالة في الأسلوبيّة الفرنسيّة). وهنا أيضا يحتذي حذو أستاذه دي سوسير في اعتباره اللّغة واحدة وفي عنايته باستعمال اللّغة الاستعمال الشّفويّ اليوميّ دون المكتوب. يتحدّث شارل بالّي عن أسلوبيّة دون أسلوب لأنّ غاية الأسلوبيّة عنده هي ضبط النّظام التّعبيريّ في اللّغات واحدة واحدة ثمّ استخلاص القاسم الكونيّ المشترك ،غير أنّ تلامذته من أمثال ماروز (Jules Marouzeau) وكريسّو (Joseph Cressot) خالفوه الرّأي إذ ذهبوا إلى أنّ مجال الأسلوبيّة يتجاوز الكلام العفويّ ليشمل الأثر الأدبيّ بل جعلوا الأثر الأدبيّ أولى من غيره بالدّراسة. يحتجّ كريسّو لأحقّية الأعمال الأدبيّة بالدّراسة الأسلوبيّة فيقول: " ليس الأثر الأدبيّ عندنا سوى عمليّة تواصل وكلّ الجماليّة التي يدخلها فيه الكاتب ليست في نهاية الأمر سوى وسيلة لأن يكسب على نحو أوكد انخراط القارئ. وهذا الشّاغل أكثر انتظاميّة فيه من التّواصل العاديّ .ولكنّه ليس من طبيعة أخرى. بل يمكننا القول إنّ الأثر الأدبيّ هو ، على وجه الدقّة ، الميدان الأمثل للأسلوبيّة لأنّ الاختيار فيه أكثر إرادة وأكثر وعيا." تشعّبت عن أسلوبيّة بالي في شكل فوضويّ أسلوبيات مختلفة باختلاف الكتّاب .ولكنّها تشترك كلّها تقريبا في اعتماد الآثار الأدبيّة المكتوبة وفي اعتبار الأسلوب جوهر بحثها .وهو اختيار أو انزياح عن معيار أو طريقة خاصّة في استعمال اللّغة أو إضافة إلى أصل البنية اللّسانيّة ينتبه إليها القارئ. أمّا العرب فلم يطلقوا مصطلح الأسلوبيّة على علم من العلوم اللّغويّة إلاّ في النصف الثّاني من القرن العشرين تأثّرا بالبحوث الغربيّة .ولعلّ أوّل من استعمله عنوانا لكتاب كان عبد السّلام المسدّي في مؤلّفه الصّادر سنة 1977 الموسوم بالأسلوبيّة والأسلوب. ويبدو تعريف هذا العلم في الوهلة الأولى يسيرا ، إذ هو ، تأسيسا على التّسمية، علم يعتني بدراسة الأسلوب دراسة علميّة. ولكن ما إن نشرع في ضبط مفهوم الأسلوب حتّى نتبيّن أن ليس في المفاهيم اللغويّة مفهوم أشدّ غموضا من مفهوم الأسلوب. ومن غموضه نشأ غموض العلم المشتغل به . وهو الأسلوبيّة. أمّا أوّل استعمال للفظة أسلوب في المدوّن من كلام العرب استعمالا لغويّا عامّا فنجده في بيت للأعشى الكبير في أرجوزة هجا فيها وائل بن شراحيل بن همر بن مرثد وقومه .ولم يبق لنا منها سوى أبيات أربعة .وما يهمّنا هو قوله: ألم تَرَوا للعَــجَبِ العَجـيب **** إنّ بـني قـِلاَبَةَ القَـلُوبِ أنوفُهم مالفخْرِ في أسلوبِ **** وشَعَرُ الأسْتَاهِ بالجَبُوبِ ويبدو أنّ ما استعمله الأعشى إنّما هو ضميمة من القول وعبارة متكلّسة.ففي اللّسان: "إنّ أنفه لفي أسلوب إذا كان متكبّرا" .وهي استعارة للأنف بمعنى الطّول والاستقامة لأنّهم يسمّون سطر النّخيل أسلوبا وكذلك الطريق الممتدّ. فإذا قُرن هذا بشطر البيت الأخير فهم من المقابلة والتّناقض موطن الهجاء اللاّذع. فكما قال صاحب اللّسان: أنف في السّماء وأست في الماء" .وصورة الأعشى أشنع إذا علمتَ أنّ الجبوب هي التّراب. وعن الانتظام والاستقامة والاستمرار في سطر النّخيل نشأ مفهوم المذهب والمنهج والثّبات على سمت في القول وغيره. أمّا اصطلاحا فيحسن أن نذكر بدءا أنّ أوّل تأليف عربيّ بهذا العنوان: الأسلوب كان سنة 1939 لأستاذ بجامعة القاهرة هو أحمد الشّايب .وقد ظهرت طبعته الرّابعة سنة 1956 وطبعته الثّامنة سنة 1994 .وقد سعى المؤلف سعيا محمودا إلى ضبط مفهوم الأسلوب نظرا وتطبيقا. وقد كان الكتاب ثمرة تأمّل وتدريس في الجامعة امتدّا سنين .ولذلك قام على أسس قوّية تجعله صالحا إلى اليوم. لم يذكر الشّايب في عمله مصادره أو مراجعه الغربيّة عدا اسم واحد نعته بالأستاذ .وهو غينونغ ( Genung John Franklin) وذكر مؤلّفه وهو مبادئ البلاغة الفاعلة (The Working Principles of Rhetoric) . وفعلا كتب غينونغ هذا (1850 ـ 1919) كتابا بهذا العنوان صدر سنة 1890 .وهو في العناصر البلاغيّة مع تطبيقات عمليّة أي أنّه عمل مماثل تماما لما قام به أحمد الشّايب. ذلك أنّ الشّايب يفهم الأسلوب باعتباره بلاغة . ولذلك نراه يشفع عنوان كتابه الأسلوب بهذا التّوضيح: "دراسة بلاغيّة لأصول الأساليب الأدبيّة". يتّفق جلّ اللّغويّين العرب المعاصرين (أحمد الشّايب وعبد السّلام المسديّ، وصلاح فضل والهادي الطرايلسيّ) على أنّ أفضل تعريف للأسلوب هو تعريف ابن خلدون، يأخذون من هذا التّعريف ما يشاؤون يوسّع بعضهم ويضيّق آخر ثمّ يخالفونه عملا ونظرا في جوهر ما رسم. يقول ابن خلدون: "ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل هذه الصناعة (يقصد صناعة الشّعر) وما يريدون بها في إطلاقهم فاعلم أنّها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التّراكيب أو القالب الذي يُفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواصّ التّركيب الذي هو من وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثلّاثة خارجة عن هذه الصّناعة الشّعريّة وإنّما يرجع إلى صورة ذهنيّة للتّراكيب المنتظمة كليّة باعتبار انطباقها على تركيب خاصّ وتلك الصورة ينتزعها الذّهن من أعيان التّراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال." ((المقدّمة، دار إحياء التراث، بيروت ـ لبنان، د. ت. الفصل 46/570 ـ 571). فالأسلوب عند ابن خلدون ليس نحوا ولا بلاغة وبيانا ولا عروضا إنّما هو شكل، قالب، منوال .ولكلّ فنّ من فنون القول من شعر وخطابة ووعظ ... منوال يختصّ به ويتفرّد. وهذه أمور أكّدها ابن خلدون بأمثلة في فصله المذكور. فالأسلوب عنده لا يتعلّق بالمحتوى بل بالشّكل وبشكل أجناس القول على وجه الخصوص، يحصل في ذهن المنشئ بالمراس على الفنّ المعنيّ. فهو إذن خصائص الأجناس الأدبيّة .ولكل مبدع في كلّ جنس خصائص فرديّة تميّزه دون أن تخرج ما ينتجه إلى جنس آخر من القول. فللأسلوب نافذة على الأفراد المبدعين الأفذاذ. وفي هذا المعنى يقول أبو الحسن محمّد بن طباطبا (ت 322 ه ) : "وسنشعر في أشعار المولّدين بعجائب استفادوها ممّن تقدّمهم، ولطفوا في تناول أصولها منهم، ولبسوا على من بعدهم، وتكثّروا بإبداعه، فسلمت لهم عند ادعائها، للطيف سحرهم فيها، وزخرفتهم لمعانيها" ( ابن طباطبا، عيار الشّعر، تحقيق: محمّد زغلول سلاّم، منشأة المعارف، الإسكندريّة، ط3، د.ت ص 46 ) .فهذه إشارات لطيفة إلى عمل الأفراد على القالب الواحد كلّ يجتهد ويضيف ليتفرّد ببعض السّمات دون أن يحوّل القول من جنس إلى جنس. وانظر في هذه الإضافة التي يسوقها ابن طباطبا توضيحا لعلاقة المبدعين بالشّكل الإبداعيّ المفترض: "والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشدّ منها على من كان قبلهم لأنّهم قد سبقوا إلى كلّ معنى بديع ولفظ فصيح وحيلة لطيفة، وخلاّبة ساحرة، فإن أتوا بما يقصر عن معنى أولئك، ولا يربى عليهم لم يتلق بالقبول وكان كالمطّرح المملول."( نفسه) فقد أحسن التّعبير عن فكرة الشّكل أو المنوال وتأثير الأفراد الأفذاذ فيه دون أن يستند إلى هذه المفاهيم النّظريّة كالأسلوب style والقالب patron والمنوال model والقانون Canon والأنموذج pattern .وهي مفاهيم مساعدة على تمثّل الأسلوب ما هو. ولكنّ الأسلوب بهذا المعنى: الطّريقة أو القالب أو الأنموذج ... وباختصار علم الأشكال لا يقتصر على استعمال الّلغة وعلى الأعمال الأدبيّة ولا على النّشاط الإنسانيّ لإبداع الجمال من رسم ونحت وموسيقى ومعمار .بل هو كائن مكتسح لكلّ نشاط بشريّ ، لأنّ الإنسان هو المبدع المنوّع لكلّ الأشكال عن نيّة وقصد لا عن برمجة جينيّة. فلا يمكن حينئذ أن يحتكر هذا المفهوم استعمال اللّغة لغايات جماليّة. وعلى هذا النّحو انتهى مفهوم الأسلوب إلى معنى مطابق لمفهوم التّصميم design الرّائج اليوم .وأوّل من استعمل هذا المفهوم دولوجيل لوبومير ( Dolezel Lubomir ) في بحثه: إطار للتّحليل الأسلوبيّ الإحصائيّ، المدرج في كتاب الإحصاء والأسلوب Statistics and Style (1969) وقد استعمل عبارة Text design. ولا يمكن أيضا أن تعني كلمة أسلوب الشيء الجميل دون غيره لأنّ تقدير الجميل عمليّة لاحقة لوجود الأشكال وموقف تأمّليّ إزاءها .فالجمال والقبح أو/ الجميل والقبيح نسبيّان ذاتيّان اجتماعيّان تاريخيّان .أمّا الأشكال فمكتسحة لكلّ عمل بشريّ .وهي قابلة للوصف الموضوعيّ. ولمّا كان ما يهمّنا مباشرة إنّما هو استحداث الأساليب باستعمال اللّغة فيمكن أن نشير إلى أهمّ الأشكال المستحدثة المُثبّتة . والتّصنيف الأوّل الذي يمكن اقتراحه هو المقابلة بين الشّفويّ والمكتوب .وفي كليهما نجد العفويّ والقصديّ؛ في العفويّ نضع التّواصل الاجتماعيّ اليوميّ العاديّ. وفي القصديّ نجد العلميّ والأدبيّ .وفي العلميّ نجد النّثر كثيرا والنّظم (قليلا) في البحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة .وفي الأدبيّ نجد النّثريّ والشّعريّ .وفي النّثريّ نجد الخبر والطُّرفة والخاطرة والخطبة والرّسالة والسّيرة والسّيرة الذاتيّة والمناظرة والمقامة والأقصوصة والرّواية والمسرحيّة والمقالة والمذكّرات. وفي الشّعريّ نجد القصيدة والأرجوزة والموشّح قديما وبها تفصيلات داخليّة تبعا للأغراض بين مدحيّات وهجائيّات ورثائيات وطرديّات وغزليّات...، واستحدثت في القرن العشرين قصيدة التّفعيلة وقصيدة النّثر .وامتد الشّعر في أغراضه إلى المسرح والأوبرا. وفي كلّ لون مذكور أثر للأفراد الأفذاذ في الجنس المخصوص.