الببليوغرافيا

التّرجمة الآليّة

1-   1  تعريف التّرجمة الآليّة :

التّرجمة الآليّة  هي فرع من فروع الصّناعات اللّغويّة الحاسوبيّة .وهي تتجسّد  في ترجمة نصوص أو جمل أو ألفاظ من لغة إلى لغة أخرى بوساطة برمجيات حاسوبيّة. وتصنّف الترجمة الآليّة ثلاثة أصناف حسب نسبة التدخّل البشريّ في العمليّة. فإمّا أن تكون آليّة مباشرة (Machine translation [MT])، أو آليّة بمساعدة بشريّة (Machine-aided translation [MAT])، أو بشريّة بمساعدة الحاسوب (Machine-aided human translation [MAHT]) .وتسمّى أيضا ترجمة  آليّة تفاعليّة (Interactive machine translation [IMT]).

 

2-   2  تاريخ الترجمة الآليّة:  من الفكرة إلى الإنجاز ومراحل التطوّر:

نظريّا، تعود فكرة التّرجمة الآليّة إلى القرن الثّامن عشر .لكنّ تاريخ التّرجمة الآليّة يبدأ فعليّا في الخمسينات،  بعد الحرب العالميّة الثّانية التّي تحقّق فيها تطوّر ملحوظ في المعالجة الآليّة للّغة نتيجة الجهود المبذولة لحلّ شفرات التّواصل بين جيوش المحور. وقبل  خوض تجارب فاشلة متتالية، كان يسود التّفاؤل .فتدفّقت التّمويلات على الباحثين، إذ جرّب أوّل برنامج على بضع جمل تُرجِمت من الرّوسيّة إلى الإنجليزيّة بنجاح نسبيّ . فقد لوحظت بعض مشكلات وعد الباحثون بحلّها في غضون بضع سنوات. وكانت هذه التّجربة تعرف بالتّرجمة الآليّة المباشرة لأنّ عمليّة التّرجمة تهمّ لغتين اثنتين محدّدتين مسبقا ولا يكون النّقل إلاّ في اتّجاه واحد (في هذه الحالة من الرّوسية إلى الإنجليزيّة). وقد تطوّر البرنامج بالفعل واستبدلت التّرجمة المباشرة بالترّجمة القائمة على تحليل قواعد النّحو في اللّغة المصدر وإعادة تشكيلها في اللّغة الهدف، إذ أصبحت برامج التّرجمة الآليّة تعتمد تحليلا مسبقا للغة المصدر على مختلف المستويات اللّسانيّة (محلّل صرفيّ وتركيبيّ ودلاليّ وتواصليّ). لكنّ التّقرير («تقرير عن حالة التّرجمة الآليّة في الولايات المتّحدة وبريطانيا العظمى») الذي قدّمه عالم اللّغة بار هلال أمام لجنة (ALPAC) سنة 1966 ثبّط العزائم: فقد خلص إلى أنّ التّرجمة الآليّة لا مستقبل لها ولا آفاق. وهكذا ظلّ المشروع  عقدا من الزّمن في شبه سبات ودونما تمويل. وتعرف مرحلة النّشأة والتّفاؤل ثمّ الإحباط  هذه بمرحلة برامج الجيل الأوّل.

وظُنّ بعد تقرير بار هلال ووقف تمويل الأبحاث أنّ  التّرجمة الآليّة قبرت نهائيّا. لكنّ العمل تواصل ولو ببطء في كثير من مخابر البحث ،  كما أنّ بذور هذا المشروع الذي نشأ في الولايات المتّحدة نبتت في أماكن أخرى منافسة كالاتّحاد السّوفييتيّ أو متحالفة كاليابان وكوريا الجنوبيّة وبخاصّة فرنسا التّي اشتهر فيها برنامج Ariane في السّنوات الثّمانين التّي ظهر فيها الجيل الثّاني من برامج التّرجمة الآليّة ذلك الذي أضأف إلى برامج الجيل الأوّل طبقة ثانية تعرف بذاكرة التّرجمة (Translation memory) هي عبارة عن تخزين مدوّنات ضخمة من النّصوص المُرَقْمنة  والمعاجم المزدوجة اللّغة وكلّ تجارب التّرجمة المتاحة قصد استحضارها عند ترجمة نصوص مشابهة أو نصوص تتناول موضوعا واحدا . ولذلك كان يطلق على هذه التّرجمة المستعانة بالأمثلة وبالذّاكرة المخزّنة ترجمة آليّة بالمثال (Example-based machine translation).

وفي منتصف التّسعينات، راجعت معظم مخابر البحث إستراتيجياتها البحثيّة .فرسمت أهدافا  أقلّ طموحا .وحدّدت مستخدمين أشدّ تخصّصا. وعرفت هذه البرامج التّرجمية ببرامج الجيل الثّالث.

يمكن أن نلخّص المراجعة التّي أجرتها مخابر البحث على برامج الجيل الثّاني لتركيز الاهتمام  على برامج الجيل الثّالث كالآتي:

    - التّخلّي نهائيّا عن فكرة ترجمة النّصوص الأدبيّة أو الفلسفيّة ذات الكثافة العالية والاقتصار على النّصوص التّداوليّة (النّصوص العلميّة والتّقنية الشفّافة التّي لا يكون موضوعها اللّغة والتي تقدّم المرجع على المعنى)، إذ اتضح أنّ  مردوديّة برامج التّرجمة الآليّة تكون فيها مرتفعة بسبب أحاديّة المعنى لقلّة البدائل المتاحة عند ترجمة جملة من الجمل.

    - الدّمج بين التّرجمة الآليّة والتّرجمة بمساعدة بشريّة من جهة والتّرجمة بالمثال من جهة ثانية لتغطية أوسع مجال ممكن.

    - توسيع ذخائر ذاكرة التّرجمة وإغناؤها  بالمدوّنات النّصّيّة الضّخمة وبالمعاجم المزدوجة اللّغة أو المتعدّدة اللّغات، وبمعاجم الأمثال والعبارات المسكوكة والتّراكيب الخاصّة.

    - جعل بنوك المعلومات مفتوحة . وهو ما يتيح للمستعمل إغناء المعاجم وذاكرة التّرجمة حسب حاجته وتوجيهها الوجهة التّي يريد.

    - الاقتصار على مجال تقنيّ أو علميّ محدّد دون غيره تكون مصطلحاته مستقرّة (كمجال المعاملات البنكيّة أو الرّصد الجوّي أو الطّيران أو صنع السّيّارات أو الهواتف المحمولة وغيرها). وبذلك يصبح كلّ برنامج ترجمة آليّة برنامجا متخصّصا في مجال محدّد مسبقا. ويسمّى هذا الصّنف من البرامج برنامجا عموديّا مقابل البرامج الأفقيّة التّي تصلح لكلّ الميادين.

   ورغم نقائص التّرجمة الآليّة ، ما فتئ   الطلب عليها من الجيل الثّالث يتزايد.  ولم يكن ذلك ليكون لولا السّياق الملائم من جهة ولولا إيجابياتها من جهة أخرى. أمّا  فيما يخصّ السّياق المساعد فإنّ تحويل وثائق المؤسّسات إلى محتوى رقميّ وشيوع المدوّنات المرقمنة  والتّوجّه نحو استخدام ملفّات قياسيّة مثل RTF وHTML التي يسهل على الآلة معالجتها قد أسهمت إلى حدّ بعيد في نجاح التّرجمة الآليّة. وأمّا إيجابياتها، فإنّها متى تقّيدت بمجال متخصّص استطاعت أن توفّر على المستعملين كثيرا من الوقت وكثيرا من المال لضعف التّكلفة الماليّة لهذه البرامج التّي أصبح بعضها مجانيّا (كمحرّك غوغل، مثلا) وكذلك بسبب حاجة الذّكاء الاقتصاديّ المتزايدة إلى المعلومات وإلى تخفيض تكاليفها.

أمّا نجاحاتها، فيكفي أن نستشهد بترجمة صفحات الإنترنات التّي تمرّ من الصّينيّة إلى العربيّة وأغلب لغات أوروبا في طرفة عين وتحافظ على تنسيق الصفحة ومحتواها.

 

3-   3  الترجمة الآليّة واللّغة العربيّة :    

عرفت بعض أقطار الوطن العربي التّرجمة الآليّة متأخّرا نسبيّا. وأقيمت فيها مشروعات  من هذا القبيل في كلّ من مصر والأردن وتونس والمغرب والكويت والسّعوديّة. ولا بدّ من ذكر الجهود التّي بذلتها مؤسّسة صخر الإعلاميّة وريادتها في هذا المجال خاصّة وفي مجال الصّناعات اللّغويّة عامّة. فقد وفّرت أوّل برنامج يترجم العربيّة آليّا.

لكنّ برامج التّرجمة الآليّة في الوطن العربيّ  ظلّت  عند حدود الجيل الثّاني («النّاقل العربيّ» و«المترجم العربيّ» وبرنامج «عجيب» الذي أصبح محرّك صخر، أنموذجا) ولم تواكب متطلّبات الجيل الثّالث لاختلاف السّياقات الاقتصاديّة بين الدّول العربيّة والدول الأوروبيّة.

ولم يحسن استعمالها في مجالات مختصّة لعدم الحاجة إليها اقتصاديّا (باعتبار قيمة الوقت عندنا ورغبتنا في خلق مواطن الشّغل عوض التّقليل منها) .فكانت لهذا السّبب محلّ سخرية. وأصبح النّاس يتفكّهون بضعف أدائها في ترجمة النّصوص الأدبيّة الكثيفة التّي لم توضع لها أصلا .فجمعت نوادرها في مقالات ومواقع تبيّن كيف ترجم  الحاسوب العبارة: «الكواكب السيّارة والنّجوم الطيّارة» آليّا إلى «The planets the car and the stars the plane»، مثلا. وأُعدّت  أطروحات ومذكّرات بحث تتناول نقائص التّرجمة الآليّة دون تقديم بدائل تحسّن من مردودها. فكانت تقدّم جداول يظهر فيها النصّ في لغته الأصلية مقابل ما تقترحه برامج التّرجمة الحاسوبيّة  لمقابلته بالتّرجمة البشريّة:

 

   

ترجمة «عجيب»

 

ترجمة «غوغل»

 

ترجمة «الناقل العربي»

 

ترجمة «المترجم العربي»

 

النص الأنجليزي

الكومبيوترات، بالطبع، غير ذكية بالدرجة، يحتاجون لأن يخبروا بالضبط ما هي أشياء، كيف هم مربوطون وكيف يتعامل معهم.

 

أجهزة الكمبيوتر، وبطبيعة الحال ليست بهذه الذكية، فإنها تحتاج إلى أن يقال بالضبط ما هي الأشياء، وكيف ترتبط وكيفية التعامل معهم.

 

كومبوتيرس، طبعا، لم يكن أنيقا إلى هذا الحد بالضبط، يحتاجون أن يبلغوا ما حاجات، كيف يرون وكيف التعامل معهم.

 

حاسبات بالطبع، ليست تلك الذكية؛ هم من الضروري أن يخبروا بالضبط ما أشياء، كيف هم يتعلقون وكيف يتعاملون معهم.

 

Computers, of course are not that smart, they need to be told exactly what things are, how are related and how to deal with them.

 

ترجمة بشريّة :

 

أمّا الحواسيب فليست على تلك الدرجة من الذكاء بالطبع وهي لا تحتاج إلى أن تحدد لها ماهية الأشياء بدقّة ولا كيف تترابط ولا كيف نتعامل معها.

 

 

 

 

 

 


 

 

وإذا كانت لهذه الأعمال من قيمة فإنّها تنحصر في مقارنة برامج التّرجمة الآليّة وتشخيص نقاط الضّعف فيها. أمّا تقصيرها ونقائصها فلم يعد من يعتقد جادّا أنّ بإمكان البرامج الإعلاميّة أخذ مكان المترجم البشريّ في يوم من الأيام، في حين يمكن استغلال مثل هذه المقارنات في ضبط مواقع الانزياح بين التّرجمة البشريّة والتّراجم الآليّة مجتمعة.