الببليوغرافيا

اللّغة العربيّة وعلم اللّغة الاجتماعيّ

   1- تعريف علم اللّغة الاجتماعيّ (Sociolinguistics):

 

 هو فرع من اللّسانيات يتناول اللّغة باعتبارها فعلا اجتماعيّا (الأعمال اللّغويّة) وظاهرة اجتماعيّة ويركّز ، من ثمّة ، الاهتمام على حضور المجتمع بمستوياته وتجلّياته في تحديد المتغيّرات اللّغويّة.

 

 2- مجالاته :

 

 2-1: مقامات الكلام (speech Situations)، التّداوليّة اللّغويّة والسّياقات الاجتماعيّة : يحدَّدُ الجنس الخطابيّ بالمقامات اللّغويّة وخاصّة بهويّتي الباثّ والمتقبّل ودرجة كلّ منهما في المجتمع وعلاقاتهما في السلّم الاجتماعي. وتنقسم المقامات إلى مقامات طقوسيّة منمّطة ومقامات مطلقة غير مقيّدة ومقامات خاصّة أو استثنائيّة. وتنقسم الأعمال اللّغويّة كذلك إلى أعمال لغويّة مقيّدة منمّطة دينيّة أو اجتماعيّة أو مهنيّة وأعمال تحكمها علاقات اجتماعيّة غير مقيّدة. وتُعرَّف الأعمال اللّغويّة بأنّها أعمال اجتماعيّة ،إذ يولّد مجرّد التلفّظ بها عقدا اجتماعيا ويخلق التزامات أخلاقيّة كالتلفّظ بالوعد أو بالتّصديق أو بالشّهادة أو باليمين، الخ.

 

 - أعمال لغويّة طقوسيّة:

 

  يعتبر التلفّظ بأعمال لغويّة مّا طقوسيّا إذا كان منمّطا و مقنّنا و مقيّدا بضوابط الشّرائع الدّينيّة أو التّقاليد الاجتماعيّة (من قبيل التّهاني والتّعازي والتّحيّات وتلطيف المحظورات اللّغويّة). فاللّغة ليست مجموعة من القواعد النّحويّة والصّرفيّة بقدر ما هي استعمال مقيّد بالسّياقات والمقاصد.

 

 أ- دينيّة: هي الأعمال اللّغويّة الطقوسيّة من قبيل الابتهال والدّعاء والصّلاة والتّقرّب بالذّكر؛ وتتميّز بهويّة المتقبّل الماثلة في الذّات الإلهيّة.

 

 ج‌- اجتماعيّة: تتغيّر الأعمال اللّغويّة الخاضعة للطّقوس الاجتماعيّة بحسب طبيعة المقام. وتتفرّع إلى تهانٍ إذا تعلّق الأمر بحدث مفرح وتعازٍ أو مواساة إذا تعلّق الأمر بحدث محزن. وفي ما عدا ذلك، تتجسّد هذه الأعمال اللّغويّة في ملفوظات منمّطة يُنطق بها حسب المقام كالتّحيّة والشّكر ومقدّمات الطلب وتلطيف المحظورات اللّغويّة وعدم التلفّظ بما يخدش الحياء. ويسهم احترام نمطيّة هذه الطّقوس الاجتماعيّة في الحفاظ على تماسك العلاقات الاجتماعيّة وإمكان التّخاطب، إذ ينقطع التّواصل لعدم احترام المقامات أو خلطها.

 

 ح‌- مهنيّة: تتميّز كلّ مهنة بمجموعة من المصطلحات تستعملها للإشارة إلى الأدوات والإجراءات الخاصّة بالمهنة. ولكنها تستعمل كذلك عبارات وتراكيب تصبح بمنزلة الأرغات التّي ينحصر استعمالها في حدود مجموعة مهنيّة مّا فتصير بذلك مجموعة لغويّة. كذلك الألفاظ والتّراكيب والمستويات اللّغويّة التّي تُستعمل في حالات خاصّة مثل الخصام والغضب والانفعالات والاجتماعات الشّعبيّة أو الحميميّة، الخ. ويضطلع بكلّ هذه المقامات عِلما التّداوليّة وتحليل الخطاب اللّذان يعتبران السّياق اللّغويّ وغير اللّغويّ والمقامات وهويّة المتكلّمين ومقاصدهم عناصر أساسيّة في المعنى والتّأويل.

 

 - المجموعات اللّغويّة والأرغات:

 

 تعريف: تعرَّف المجموعة اللغويّة بأنّها كلّ مجموعة من البشر يربط بين أفرادها  التكلّم بلغة واحدة .وقد يكوّنون وحدة جغرافيّة أو اجتماعيّة أو الاثنين معا.

 

 وتختلف المجموعات اللّغويّة من جهة الحجم .فتتكوّن من عدّة ملايين من البشر، كما قد تتكوّن من بضع عشرات .ويختلف ثقلها الاجتماعيّ والثّقافيّ وتأثيرها نسبيّا باختلاف حجمها أو فاعليّتها. وتكوّن المجموعات اللّغويّة حسب شعورها بتقاسم خاصّيات مشتركة تميّزها عن غيرها من المجموعات. وعادة ما ينعكس الشّعور بالانتماء إلى مجموعة لغويّة في  تفخيم بعض السّمات النّطقيّة أو وجوه الاستعمال التّركيبيّة أو المعجميّة الخاصّة التّي تبعدها شيئا فشيئا عن المجموعة الأمّ. .وقد تفضي إلى خلق أرغة ، كما هو شّأن وجوه الاستعمال الخاصّة بالمهن أو إلى انفصال لهجة جديدة عن اللّغة العامّة. وما سبق ينطبق على الأقلّيات العرقيّة ، كما ينطبق على الطّبقات الاجتماعيّة أو على أي مكوّن آخر من مكوّنات المجتمع اللّغويّة.

 

 أمّا المجموعات اللّغويّة المهنيّة (كالحدّادين والنّجّارين والأطبّاء وصانعي الفخّار والحِرَفيّين بوجه عامّ) فإنّ استعمالها مصطلحات خاصّة بها يجعلها أقرب إلى خلق أرغات تواصل في ما بينها، عادة ما يصعب على بقيّة المجتمع فهمها. لذلك، تستنبط عصابات السّرقة والجريمة المنظّمة طرقا في الكلام هي أقرب إلى الأرغات المهنيّة.

 

  وقد تنشأ مجموعات لغويّة كونيّة إثر ظهور لغات اصطناعيّة (مثل «لغة الفرنجة» (Lingua Franca)، اللّغة الهجين التّي ظهرت في المتوسّط في القرن الحادي عشر الميلاديّ، نتيجة الحروب الصليبيّة) أو وضعها أداة للتّواصل العلميّ والفنّيّ تتجاوز حدود اللّغات الطّبيعيّة، على غرار لغة الإسبرانتو (Esperanto) التّي وضعها البولونيّ زمنهوف (Zamenhof).

 

 وقد تتكوّن المجموعات اللّغويّة من ارتباط الدّين بال وقد تتكوّن المجموعات اللّغويّة من ارتباط الدّين باللّغة التّي جاء فيها والرّغبة في الاطلاع على النّصّ في لغته، كما هو الشأن في الدّين الإسلاميّ واللّغة العربيّة، إذ أنزل القرآن عربيّا مُبِينا. وهو ما جعل العربيّة قاسما مشتركا بين مجموعة كبيرة جدّا من البشر يرون فيها عنصرا موحّدا ومقوّما من مقومّات الهويّة التّي تقرن في هذه الحالة اللّغة بالدّين و الهويّة «العربية الإسلامية».

 

 - دراسة المتغيّرات الاجتماعيّة:

 

 يدرس علم اللّغة الاجتماعيّ الكفاية التّواصليّة معقودة بالموقع الاجتماعيّ للمتكلّم على أساس متغيّرات الجنس والسنّ والمستوى التّعليميّ والبداوة والمركز الاجتماعيّ والمهنة.

 

 أ - الجنس: تتميّز لغة المرأة عن لغة الرّجل. فللنّساء طريقة في النّطق تختلف عمّا ينطق وفقها الرّجال فيعرف بهذه أو بتلك جنس المتكلّم، بل ويوصف من ينطق بطريقة النّطق النِّسْويّ من الرجال بالتخنّث أو بالرغبة في التّشبّه بالنّساء. وقد اختصّت نساء أقطار المغرب العربيّ (تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا) بنطق حرف [r] الفرنسيّ على الطّريقة الباريسيّة، أي بين الخاء والغين، في حين يتميّز الرجال عنهنّ بنطقها على الطّريقة الإيطاليّة أي كأنّها الرّاء العربيّة.

 

 وقد أورد القدامى ملاحظات عن اختصاص النّساء بألفاظ دون الرّجال. جاء في «لسان العرب» لابن منظور : «وحكى اللّحيانيّ أَن نساءَ الأَعراب يقلن في الأُخَذ: أَخَّذْته بدُبَّاءِ مُمَلإٍ من الماءِ مُعَلَّقٍ بتِرْشاءٍ فلا يزال في تِمْشاءٍ، ثم فسّره فقال: التِّمْشاءُ المَشي.» (مادّة «م ش ي»). وهو دليل على أنّه كان لنساء الأعراب وجوه في استعمال اللّغة خاصّة بهنّ. وتذكر المصادر نفسها ألفاظا تختصّ بنطقها المرأة في تواصلها مع طفلها ولا يستعملها الرّجل لحكمه عليها سلبيّا بأنّها من لغة النّسوة من قبيل «قَقَّة» (مادّة «ق ق ق») و«بَبَّه» (مادّة «ب ب ب»)، الخ …

 

 وقد تناولت عدّة أبحاث طرق التّمييز بين نطق الرّجال ونطق النّساء وبخاصّة في لهجات البدو، إذ يحظر على النّساء التلفّظ ببعض الكلمات التّي لا تسمع إلاّ من أفواه الرّجال.

 

 وقد تناولت دراسات عدّة لغة النّساء باعتبارها متميّزة عن لغة الرّجال من وجهة النّظر التّداوليّة (الدّماثة والتّأدّب، Politness) وأثبتت استعمال النّساء لقدر من أفعال الجهات والالتماس والاستفهام أكبر ممّا تستعمله لغة الرّجال التّي يغلب عليها الأمر والنّهي والإقرار.

 

 ب- السنّ (تركيز الاهتمام على خاصّيات لغة الشّيوخ والأطفال): تناولت كثير من الدّراسات لغة الأطفال وخاصّياتها التّركيبي تناولت كثير من الدّراسات لغة الأطفال وخاصّياتها التّركيبيّة والنّطقيّة على وجه الخصوص في اللّغات الأوروبيّة [انظر البيبليوغرافيا المصاحبة لباب علم الّنفس التّربويّ]. لكنّنا لا نكاد نعثر على أثر لها في اللّغة العربيّة ماعدا ملاحظات عابرة مبثوثة في بعض الدّراسات وبعض القواميس . ومن اللاّفت أنّ لغة الأطفال أو التّواصل مع الأطفال تخرق أشدّ مبادئ اللّغة وأصلبها ولا تمتثل لها. من ذلك أنّ المبدأ الماثل في عدم ورود حرفين مكرّرين في أوّل المادّة (*«ق ق ب»، مثلا)، المعروف بمبدإ المداورة الإجباريّة، مقابل إمكان ورودهما في آخر المادّة (-«ق ب ب»، مثلا)، لا يُحترم في لغة الأطفال أو في التّواصل معهم ، إذ إنّ الحالات الشّاذّة والنّادرة  المتولّدة عن خرق تلك القاعدة تلاحظ في مداعبة صغار السنّ. وتورد القواميس ،على سبيل المثال ، : «د د د» و«ص ص ص» و «ق ق ق» مقترنة بهذا المجال.

 

 أمّا لغة الشّيوخ - وإذا استثنينا بعض الملاحظات التّي يُقصد بها السّخرية والإضحاك، فإنّها لم تحظ أيضا بالعناية اللاّزمة رغم ما لاحظه فيها علماء اللّغة الاجتماعيّون من خاصيّات تداوليّة ونطقيّة [انظر البيبليوغرافيا المصاحبة]. ويورد «لسان العرب» في مادّة «ك و ن» ملاحظة تبرز مثل تلك الخاصّيات في الاستعمال: «وفي الحديث: أَنه دخل المسجدَ وعامَّةُ أَهله الكُنْتِيُّونَ؛ هم الشُّيوخُ الذين يقولون كُنَّا كذا، وكانَ كذا، وكنت كذا، فكأَنه منسوب إلى كُنْتُ.»

 

 ج‌- المستوى التّعليميّ (اللّغة المهذّبة أو المعقّدة مقابل اللّغة السّوقيّة أو البسيطة): في سياق دراسة الارتباط بين الوضع الاجتماعيّ والكفاية التّواصليّة ينبغي التّمييز بين لغة الشّريحة المجتمعيّة ذات المستوى التّعليميّ الرّاقيّ أو المتوسّط مقابل الشّريحة التّي يكون مستواها التّعليمي متدنّيا. و تتضمّن الكتب التّراثيّة العربيّة إشارات كثيرة إلى لغة العامّة وانزياحها عن اللّغة المعياريّة التي هي لغة الخّاصّة أي الطّبقة المثقّفة بلغة اليوم . وكان الهدف من وراء هذه الأعمال تهذيب النّطق واللّغة أكثر منه وصفا لحالة اجتماعيّة. لكن، من المهمّ ، في دراسة الواقع اللّغويّ العربيّ ، أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار، إذ لا يمكن أن يستقيم التّوزيع الثّلاثيّ في المجتمعات العربيّة بين من يتكلّمون الفصحى ومن يتكلّمون العاميّة ، تتوسّطهم طبقة واسعة ممنّ يتكلّمون عربيّة وسيطة (تسمّى أحيانا العاميّة المهذّبة أو الكلاسيكيّة المبسّطة) دون اعتبار المستوى التّعليميّ أو الثّقافيّ للمتكلّمين.

 

 د- البيئة (لغة الحضر مقابل لغة البدو): غالبا ما يقال إنّ اللّغة وليدة البيئة .ولكنّ البيئة تُخبر عن اللغة كذلك . لذلك يميّز علم اللّغة الاجتماعيّ بين لغة البدو المحافظة (خاصّة في مستويي النّطق والإعراب) ولغة الحضر المهترئة التّي تشوبها الشّوائب ، كما تختلف الفوارق وتتفاوت قيمتها بين لغة البدو ولغة الحضر حسب الأزمنة والظّروف. فليس للّغة البدو في عصرنا الحاضر القيمة التي كانت لها في عصر الاحتجاج. ولا ينظر إليها (انظر التّحليل المخصّص لمواقف المتكلّمين من اللّغة) من المنظور التّقويميّ نفسه. ومن البديهيّ أنّ اللّغة إذا كانت وليدة المجتمع فإنّها تختلف باختلاف حاجات المجتمعات فتتعقد كلّما تعقّدت الحضارات ويتوسّع معجمها نسبيّا مع ازدياد الحاجات. وشتّان بين لغة العرب في بساطة البداوة واقتصارها على بضع حقول دلاليّة (تربية الإبل والتّرحال والمراعي والحروب، الخ) ولغة العرب في عصر العولمة وانتشار وسائل التّواصل والمعلوماتيّة. لذلك يرى علماء اللّغة الاجتماعيّون أنّ ثمّة توازيا بين تطوّر اللّغة على مستويي المعجم اللّفظيّ والمصطلحيّ وتطوّر التّقنيات والتّخّصاصات التّي تفرزها البيئة.

 

 ه- المركز الاجتماعيّ (لغة الخاصّة مقابل لغة العامّة): تتميّز لغة الخاصّة عن لغة العامّة بقلّة عدد متكلّميها مقابل فاعليّتها. فرغم أنّ لغة العامّة هي لغة الأغلبيّة - وهي التّي يفترض أن تطبع تحوّلات اللّغة العميقة - فإنّ الخاصّة التي تمتلك وسائل الإنتاج المعرفيّ هي التّي توجّه هذا التحوّل أو تكبحه وتحاول تقويمه. وقد نتج في تاريخ العربيّة شبه انفصام بين لغة الخاصّة الأقليّة المحافظة (التّي كانت في الماضي صفة لغة البدو) ولغة العامّة التّي هي النّواة المكوّنة للعامّيات اليوم. وإذا احتفظت العربيّة بحيويّتها في عصرنا هذا فالفضل في ذلك يعود إلى هذه الفئة الفاعلة.

 

 و- المهنة: لكلّ مهنة أرغة خاصّة بها تكون لمنتسبيها بمنزلة رابط الم لكلّ مهنة أرغة خاصّة بها تكون لمنتسبيها بمنزلة رابط المجموعة اللّغويّة وموّحدها. فالمتخصّصون في حرفة معيّنة يأخذون  مفرداتهم من معين اللّغة العامّة ويكيّفونها حسب حاجاتهم ويهذّبونها بتخليصها من اللّبس خاصّة ثمّ يستعملونها للإشارة إلى أدواتهم ومختلف أعمالهم. وقد تخرج بعض الألفاظ أو التّراكيب عن مجال الصّنعة إلى المجال العامّ .فتغني اللّغة بألفاظ جديدة وتسهم في تجديد الرّصيد اللّغويّ. لذلك يقع على كاهل علم اللّغة الاجتماعيّ إنزال التّطوّر اللّغويّ الزّمنيّ واختلاف اللّهجات ضمن مفعول المتغيّرات الاجتماعية وتطوّر المجتمع باعتباره الحامل البيئيّ للّغة. ويكون علم اللّغة التاريخيّ (historical Linguistics) إذن قائما، كما بيّن ذلك أنطوان مايي (A.Meillet)، تلميذ دي سوسير (De Saussure)، على مبدإ التّوازي بين التّطوّر الاجتماعيّ والتّطّور اللّغويّ. ويستلزم هذا الطّرح القول إنّ علم اللّهجات (Dialectology) وكذلك الجغرافيا اللّسانيّة (linguistic Geography) ينتميان أيضا إلى مجال اللّسانيات الاجتماعيّة.