الببليوغرافيا

علم العروض والقوافي

    اختُلِف في سبب تسمية هذا العلم ب " العروض ". فذهب بعضهم إلى أنّ هذا الاسم كان يطلق، في الأصل، على عُمان. وقد سمّى به الخليل هذا العلم، لأنّه ولد و نشأ بذلك البلد قبل أن ينتقل به أبوه إلى البصرة أو لأنّ فكرة إنشائه قد خطرت له وهو بذلك المكان. وقد فسّر آخرون لفظ " العروض " بأنّ المقصود به هو مكّة لأنها " تعترض وسط البلاد ".ورجّح غيرهم أنّ سبب هذه التّسمية هو أنّ الشّعر يُعرض على الموازين التي استنبطها واضعه ويُقاس بها.

 

       ولكن لو تأمّلنا كلمة "عروض" في أصل اللّغة لتبيّن لنا سبب وجيه للتّسمية نذهب إليه. فالعروض بهذا المعنئ هي "الّطريق في عُرض الجبل. وفي حديث أبي هريرة: فأخذ في عروض أخرى أي في طريق آخر من الكلام" (اللّسان) .فالمفهوم من هذا أنّ العروض في أصل الوضع كلمة تدلّ على الطّريق الذي يشقّ الجبل .وهو ،بالنّتيجة ، طريق صعب. ثمٌ استعمل مجازا لأسلوب مخصوص من القول .فليس ببعيد حينئذ أن يتأسّس المصطلح ـ والاصطلاح اختيار واع ينطلق من الوضع الأوّل - بالإشارة إلى العلم الذي يدرس تلك الطّريقة الدقيقّة في بناء الكلام على نحو مخالف صوتيّا وتركيبيّا للكلام العاديّ .وهي النّظم. وفعلا قد استقرّت كلمة "عروض" مصطلحا يدلّ على العلم الذي تعرف به أوزان الشّعر ويماز فيه صحيحه من مكسوره. وفي اللّسان: "العروض ميزان الشّعر". وهذه الكلمة لا تجمع لأنّها اسم جنس. ولكن أطلق لفظ العروض أيضا على "فواصل أنصاف الشّعر . وهو آخر النّصف الأوّل من البيت" (اللّسان). وفي هذا الموضع والاستعمال ، خلافا لاستعمالها بمعنى العلم ، تجمع الكلمة على أعاريض. ويفسّر ابن منظور علّة التّسمية .فيقول: "وسُمّي عروضا لأنّ الشّعر يعرض عليه. فالنّصف الأوّل عروض لأنّ الثّاني يبنى على الأوّل".

 

       أمّا علم القوافي و إن كان يذكر دائما مع علم العروض فقد سبقه تاريخيّا إلى الظّهور. وكان واضعه، فيما يُروى ، أبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ). وسنعود إليه بعد أن نفرغ من الحديث عن العروض.

 

    وأمّا في ما يخص من استنبط هذا العلم فيجمع المؤرّخون والإخباريّون ومؤلّفو كتب التّراجم العرب القدامى على أنّ واضع علم العروض هو الخليل بن أحمد الفراهيديّ، رابطين توصّله إلى ذلك الاختراع بمعرفته المعمّقة للإيقاع حتّى إنّ بعضهم نسبوا إليه تأليف أوّل كتاب عربيّ في الموسيقى لم يصلنا. وقد تجسّد عمل الخليل في حصر أشعار العرب وإرجاعها كلّها إلى خمس دوائر ثمّ من تلك الدوائر استخرج خمسة عشر مقياسا نغميّا سمّاها بحوراً. وقد أضاف إليها من بعده تلميذه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط (215 هـ)، البحر السّادس عشر. وهو بحر الخَبب أو المتدارِك.

 

     وقد اختُلِف في الدّوافع التي حدت به إلى إنشاء هذا العلم. فمنهم من ردّه إلى غيرته على الشّعر العربيّ الذي صارت تُنتهك في عصره موازينه الأصيلة لجهل المولّدين بها. ومنهم من عدّ الباعث على ذلك ذاتيّا .وهو أنّه دعا الله ذات مرّة – وهو بمكّة - أن يلهمه علما لم يسبقه إليه أحد ويظل مقترنا به. فاستجاب له بعد عودته من الحجّ. ومنهم من يروي أنه سمع رجلا يلقّن طفلا طريقة في نظم الشّعر قوامها حرفا الجواب " نعم " و" لا". وذلك كالآتي: " نعم لا " / نعم لا لا "، " نعم لا " / نعم لا لا " فأوحت إليه بفكرة تعويض هذا الضّرب من المقاييس العفويّة البدائيّة بموازين علميّة مضبوطة تشبه الموازين الصّرفيةّ بناها من الأصل "فعل" مع اعتبار كلّ صوت مسموع .ومجموع هذه الوحدات الوزنيّة ثمان: اثنتان منها خُماسيتان: فعُولُنْ - فاعِلُنُ. وستّ سباعيّة: مَفاعيلُنْ – مُسْتَفْعِلُنْ – مُفاعلَتُنْ – مُتَفاعِلُنْ – مَفْعُولاَتُ - فاعِلاتُنْ. وتدخل في تركيبها على الأقلّ وحدتان خليليّتان وعلى الأكثر ثلاث. وذلك كالآتي: فَعُولُنْ (فَعُو/ لُنْ) – فَاعِلُنْ (فَا/عِلُنْ ) - مَفاعيلُنْ ( مَفَا/عي/ لُنْ ) - مُسْتَفْعِلُنْ (مُسْ/تَفْ/عِلُنْ ) - مُفاعلَتُنْ (مُفَا/عَلَ- تُنْ) – مُتَفاعِلُنْ (مُتَ/فا/عِلُنْ ) - مَفْعُولاَتُ (مفْ/عو/لاتُ ) - فاعِلاتُنْ (فا/عِلا/تن).

 

      وفصّل الخليل كلّ تفعيلة إلى عناصر دونها أطلق عليها اسما عامّا - وهو الجزء - .وفصّل الأجزاء أنوعا أطلق تسمية خاصّة على كل ضرب منها وهي: السّبب الخفيف: وهو يتكوّن من حرفين متحرّك فساكن نحو: من – هل (أي مقطع طويل منغلق بحساب المقاطع). السّبب الثّقيل: وهو ما يتكوّن من حرفين متحرّكين نحو: لَكَ – بِكَ. (أي مقطعين قصيران). الوتد المجموع: وهو يتكوّن من ثلاثة أحرف: الأوّل والثّاني متحرّكان والثّالث ساكن نحو: لقد ـ على (أي مقطع قصير فمقطع طويل منغلق). الوتد المفروق: وهو ما يتكوّن من ثلاثة أحرف : الأوّل متحرّك والثّاني ساكن والثّالث متحرّك نحو: بين – تلك (أي مقطع طويل منغلق فمقطع قصير). و هذه الوحدات الخليليّة أنسب إلى قياس الشّعر العربيّ من المقاطع، لأنّها تجمع إلى المقياس الكمّيّ المقياس النّبريّ .فالشّعر العربيّ كمّيّ نبريّ أي لكلّ بحر كمّ صوتيّ محدّد ومواضع نبر أو اعتماد محدّدة. ومواضع النّبر لا تكون إلاّ على الأوتاد المجموعة ("عِلنْ" من فاعِلْن ومًسْتفْعِلنْ أو "مفا " من مفاعلتن ومفاعيلن أو" فعو "من فعولن أو على الفاصلة الصغرى) .وهي ثلاثة متحرِّكات فساكن أي سببان : ثقيل فخفيف نحو "متفا " من مًتَفاعِلنْ أو الفاصلة الكبرى وهي أربعة متحرِّكات فساكن نحو " فَعِلَتُنْ "المنحدرة من مًسْتّفْعِلُنْ.

 

     وتبيّن الخليل أنّ كلّ أوزان الشعر القديم ترجع إلى مجموعات وزنيّة متجانسة أطلق عليها مصطلح "الدّوائر". وهي خمس دوائر وسمها بالمصطلحات التّالية: المُخْتَلِفُ و المُؤْتَلِفُ والمُجْتلَب والمُشتبِه والمُتَّفِق ووضع للبحور الخمسة عشر التي استنبطها هذه التّسميات: الطَّوِيل والمَدِيد والبَسِيط والوَافِر والكامِل والهَزَج والرَّجَز والرَّمَل والسَّرِيع والمُنْسَرِح والخَفِيف والمُضارِع والمُقْتَضَب والمُجْتَثّ والمُتقارِب. ووزّع البحور على الدّوائر اعتمادا على مبدإ التّقارب النّغميّ. وذلك كالآتي:

 

 1- دائرة المختلف : وهي تضمّ الطّويل والمديد والبسيط. وهذه البحور الثّلاثة يُفكّ بعضها من بعض .فوزن الطّويل هو:

 (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) x 2 .ومنه يًفكّ المديد بأن تتجاوز الجزء الأوّل "فعو" وتبدأه من "لــن مفاعيـ "على النّحو التّالي:

 لَنْ مَفّاعِيـ / لَنْ فَعــُو/ لن مَفاعِيـ / لَنْ فَعُو = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن

أمّا البسيط فعليك أن تترك" فعولن مفا " وتبدأ من "عيلن فعو "على النّحو التّالي:

 عِيلُنْ فَعُو/ لَنْ مَفَا= مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مستفعلن فاعلن

 

 2 ـ دائرة المؤتلف: و هي تضمّ الوافر والكامل. ووزن الوافر هو:

(مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن) x 2 .ومنها يًفكّ الكامل بأن تترك "مفا "وتبدأ من "علتن" على النّحو التّالي :

علتن مفا/ علتن مفا/ علتن مفا = متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

 

 3 ـ دائرة المجتلب: وتضمّ الهزج والرّجز والرّمل. فوزن الهزج:

 (مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن) x 2 .ومنها يًفكّ الرّجز بأن تترك "مفا" وتبدأ من "عيلن" على النّحو التّالي :

 عيلن مفا /عيلن مفا /عيلن مفا = مستفعلن مستفعلن مستفعلن .

أمّا الرّمل فتبدأ دائرته بترك "مفاعيـ' والابتدء من" لن..." على النّحو التّالي :

لن مفاعيـ / لن مفاعيـ / لن مفاعيـ = فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

 

 4 ـ دائرة المشتبه: وتضمّ السَّرِيع والمُنْسَرِح والخَفِيف والمُضارِع والمُقْتَضَب والمُجْتَثّ. فوزن السّريع هو (مستفعلن مستفعلن مفعولات) x 2 .ومنه يًفكّ المنسرح بأن تبدأ من تفعيلته الثّانية فتصير:

 مستفعلن مفعولات مستفعلن. أمّا إذا أردت الخفيف فتترك "مسـ" من التّفعليلة الثّانية فيصيرعندك:

 تفعلن مفـ /عولات مسـ / تفعلن = فاعلاتن مستفعلن فاعلن أمّا المضارع فتبدأه من "علن" في التفعيلة الثانية فيصير عندك:

علن مفعو/ لات مسـتفـ /علن مستفـ = مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن أمّا المقتضب -وهو في شكله النظريّ :

 مفعولات مستفعلن مستفعلن - فيًفكّ من السّريع بأن تبدأ من تفعيلة السّريع الأخيرة وتعود إلى تفعيلات صدره بترتيبها.وأمّا وزن المجتثّ النّظريّ فهو مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن ويفكّ من السّريع بأن تبدأه من "مفعولات" بترك "مفـ "منها فيكون: عولات مسـ / تفعلن مسـ / تفعلن مفْـ = مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن

 

 5 ـ دائرة المتفق: " وفيها على مذهب الخليل باب واحد" (صنعة الشّعر، تحقيق جعفر ماجد، دار الغرب الإسلاميّ، 1995 ص 263) .وهو باب المتقارب .ووزنه:

فعولن فعولن فعولن فعولن ***** فعولن فعولن فعولن فعولن.

 

    واحتواء دّائرة على بحر واحد مثير للتّساؤل ، إذ ما الجدوى من تقرير دائرة لا ينفكّ بحرها من بحر آخر ولا يُفكّ منه بحر آخر على الأقل. ففلسفة الّدوائر أن يفكّ وزن من وزن واحد آخر على الأقل. وهذا التّساؤل الجوهريّ قد أثاره من بعده باحث قديم هو أبو الحسن أحمد بن محمّد العروضيّ (ت 342 هـ.) وأفصح فيه عن فكر نقديّ ثاقب ، مرجّحا أن تحتوي هذه الدّائرة على وزنين على الأقلّ يتناسل أحدهما من الآخر ، على غرار ما هو ثابت في دائرة المؤتلف تلك التي نشأت عن دخول تقليب على مواضع الأسباب والأوتاد. فــ: مُفاعَلَتُنْ - وهي تفعيلة الوافر - مكوّنة من وتد مجموع: "مُفَا" وسببين : ثقيل فخفيف "عَلَتُنْ." فينقل السّببان على حالهما من التّرتيب إلى صدر التّفعيلة ويُؤخّر الوتد فتحصل تفعيلة الكامل: "مُتَفاعِلُنْ ". والأمر نفسه يمكن إجراؤه في دائرة المتّفق (ثمّ لاحظ تطابق معنى التّسميتين: المؤتلف والمتّفق).فتفعيلة المتقارب "فَعُولُنْ" مكوّنة من وتد مجموع: "فَعُو"وسبب خفيف: "لنْ". فإذا قدّمنا السّبب وأخّرنا الوتد حصلنا على تفعيلة أخرى مستلّة من هذه . وهي: "فَاعِلُنْ ". وفاعلن هذه بعدد تفعيلات المتقارب أي ثمان تعطي هذا البحر الذي يًنسب إلى الأخفش. وهو لا يمكن أن يكون إلاّ جزءا من منطق بناء الدّوائر الخليليّة.

 

   القافية: القافية، لغةً اسم فاعل في صيغة المؤنّث من قفا يقفو قفوا أي اتّبع وأصلها "قافِوة وصارت قافيةً لانكسار ما قبلها.

 أمّا اصطلاحا فهي المجموعة النّغميّة في آخر البيت الشّعريّ التي تتكرّر في كامل القصيدة العموديّة. وقد سُمّيت قافية لأنّ نهاية البيت الثاني تقفو نهاية البيت الأوّل ونهاية البيت الثّالث تقفو نهاية البيت الثّاني .وهكذا دواليك حتّى آخر بيت في القصيدة. وقد حاول العروضيّون ضبط حدود القافية .و لعلّ أفضل حدّ لها ينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ .وهو: "القافية عبارة عن السّاكنين اللّذين في آخر البيت مع ما بينهما من المتحّرك حرفا كان أو أكثر ومع الحركة التي قبل السّاكن الأوّل" .والقافية عنصر نغميّ ثريّ مركّب .وقد فصّل العروضيّون فيه القول. وفي ما يلي نعرض لأهمّ مكونّات القافية أو "لوازمها" ، كما جاء في مقدّمة لزومياته المعريّ .وهي:

 

 1 ـ الرويّ: وهو آخر حرف في البيت يُلتزم في كامل القصيدة العموديّة .وهو أهمّ هذه المكوّنات وأثبتُها و"عليه تُبنى المنظومات" (مقدّمة اللّزوميات). ويكون في المقيّد من الشّعر المكوِّنَ الأخيرَ .أمّا في المطلق فتليه الصّلة .وهي عبارة عن إشباع حرف الرّويّ بالكسرة أو الضمّة أو الفتحة أو إتباعه بالهاء السّاكنة. أمّا إذا تحرّكت الهاء فيلزمها إذ ذاك عنصر آخر يسمّونه "الخروج"كقوله: في ليلة، لا نرى بها أحدا، ***** يحكي علينا إلاّ كواكبها "فالباء هي الرّويّ والهاء وصل والألف خروج" (مقدّمة اللزوميّات)

 

 2 ـ التّأسيس ألف بينها وبين الرّويّ حرف من قبيل ألف سالم وعارم وماجد...

 

 3 ـ الدّخيل هو الحرف الفاصل بين التّأسيس والدّخيل .وهو في المثال السّآبق ، على التّوالي، اللاّم والرّاء والجيم .

 

 4 ـ الرّدف: ألف أو واو أو ياء ساكنة قبل الرّويّ ولا حاجز بينهنّ وبينه نحو: الألف من رامِ أو في المقيّد خيامْ والياء من ريم أو المقيّد الرّيْبْ والواو من روم وكذلك الواو من اليوْم. 5

 الوصل: هو الإشباع اللاّزم لحركة الرّويّ .وقد فصلوها عن حركة الرويّ ذاتها التي سمّوها "المجرى". وهو ، في عبارتنا، اليوم إمّا ضمّة طويلة أو كسرة طويلة وإمّا فتحة طويلة .ويكون الوصل أيضا هاء ساكنة .فإذا تحرّكت سمّوا حركتها خروجا .أمّا إذا كانت ضمير المؤنّث فألفها هي الخروج.