الببليوغرافيا

تاريخ علوم اللّغة العربيّة

لئن كان من الثّابت أنّ التّفكير اللّغويّ العربيّ قد نشأ ونما في ظلّ النصّ القرآنيّ ، بدءا  من إصلاح كتابته الذي تحقّق على مراحل   فإنّ  ظلالا كثيفة ظلّت ولا تزال  تخيّم على الفترة الممتدّة من النّشأة إلى ظهور كتاب سيبويه ( ت 177 ه أو 180 ه ) ، تلك التي لا نظفر ، في شأنها ، إلاّ بروايات قليلة  متفرّقة ، متضاربة  تتضمّن إشارات خاطفة إلى ظروف ظهور النّحو أو انطلاق جمع اللّغة و شرح  غير المتداول من ألفاظها وذكرًا لبعض الأعلام الذين قد تكون ارتبطت أسماؤهم ببدايات هذين النّشاطين  وهم  خاصّة : علي بن أبي طالب  (ت 40 ه  ) وأبو الأسود الدّؤلي (ت 69 ه  ) وتلاميذه عَنْبَسة الفِيل ( توفّي على الأرجح قبل نهاية القرن الأوّل )  وعبد الرّحمن بن هرمز  ( ت 117 ه ) وميمون الأقرن (  توفّي على الأرجح أيضا قبل نهاية القرن الأول ) في علم النّحو أو ما سُمّي أيضا علم العربية وعبد الله بن عبّاس في علم اللّغة أي ما نسمّيه اليوم "معجميّة " ثمّ في مرحلة لاحقة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ ( ت 117 ه ) وتلميذه عيسى بن عمر الثّقفي (ت 149 ه  ) وأبو عمر بن العلاء ( ت 154 ه ) وأبو الخطّاب الأخفش الأكبر (ت 177 ه  ) ويونس بن حبيب (ت 182 ه  )  في علم النّحو .

 

وإذا كان انطلاق جمع اللّغة وشرحها وليدَي الحاجة إلى فهم ما غمض من ألفاظ القرآن الكريم  - وهو ما يدلّ عليه عنوانا الكتابين اللّذين نُسبا إلى ابن عبّاس : الغريب في القرآن واللّغات في القرآن - فإنه  يمكن إرجاع ظهور النّحو إلى أربعة أسباب رئيسة هي : حماية النّصّ القرآنيّ من اللّحن بعد  أن دخلت الإسلامَ أجناس كثيرة غير الجنس العربيّ  وخوف  العرب على لغتهم التي  كانت من مصادر نخوتهم  وعزّتهم ، لاعتقادهم أنّها  اللّغة الوحيدة التي تتّصف ب " الفصاحة " في مقابل   اللّغات الأخرى التي كانوا ينعتونها ب " الأعجميّة "  وحاجة أهالي البلدان المفتوحة  إلى تعلّم لغة الغالب وحتميّة ظهور تفكير لغويّ لدى كلّ أمّة  تدرك درجة معيّنة من القوّة وتحتلّ مكانة بارزة بين الأمم الأخرى .وهكذا فقد سار النّشاط اللّغويّ منذ البادية في اتّجاهين متوازيين متمايزين : النّحو أو "العربية" واللّغة . وعلى أساسهما وُصف الحضرميّ والثّقفيّ وابن حبيب وسيبويه  ، مثلا ، ب"النّحاة" وابن عبّاس وأبو عُبيدة  ( ت 209ه ) والأصمعي ( ت 216 ه ) ب" اللّغويّين" ، على حين جمع الخليل بين الصّفتين ، لاشتغاله بالعلمين معا .

 

ولقد اتّسمت مسيرة كلّ علم من هذين العلمين بنسق تصاعديّ حثيث . فالنّحو ، بعد أن وُضعت ،  في ما يبدو ، قواعده الأولى على أيدي الدّؤليّ وتلاميذه ،  قد اقتُبس منهجه  عند الحضرميّ والثّقفيّ من منهج الفقهاء باعتماد القياس والتّعليل لكن على نحو مشطّ ، إذ كان هذان النّحويّان يضعان القاعدة ثمّ يخطّئان كلّ ما خرج عنها حتّى إن جاء هذا الخروج  في كلام الفصحاء .وهو ما صحّحه ، فيما يظهر ، في المرحلة الموالية ، الخليل  بن أحمد الفراهيديّ ( ت 175 ه ) باعتماد مبدإ القياس ، في التّقعيد،  على الأغلب ،  مع  عدم تخطئة الشاذّ لكن دون القياس عليه .

 

ولقد امتاز هذا العَلَم بميله إلى الاختراع ، بدلا من تأليف الكتب . فإليه يرجع الفضل في وضع علم العروض وتصوّرٍ مبتكَر لقاموس عربيّ يستوعب جميع جذور اللّغة العربيّة  المستعمل منها والمهمل  بحصرها رياضيّا والسّبق إلى القيام بوصف شامل لأصوات لغة الضّاد مخارجَ وصفاتٍ ودرجاتِ انفتاح  ، كما استطاع أن يكتشف الأسس التي يقوم عليها النّظام النّحويّ لهذه اللغة ،  بالرّبط بين معطياتها الصّوتيّة والصّيغيّة والإعرابيّة .وليس ثمّة شك في أنّ معظم الأفكار التّأسيسيّة التي أوردها تلميذه سيبويه في كتابه هي له لا لمؤلّف هذا الكتاب ، ناهيك أنّه أحال على أقواله وآرائه 608 مرّات وأخذ بمعظمها .

 

ولذلك من الأرجح أنّ يكون الخليل  قد اضطلع بالدّور الأكبر في وضع  المنهج الذي  استُنبطت وَفْقه معظم القواعد الواردة في كتاب سيبويه  والذي عُرف ، فيما بعد ، بالمنهج البصريّ. وهي تؤلّف أكثر من تسعين بالمائة من قواعد النّحو العربيّ التي نستعملها اليوم . وهكذا فقد اكتمل التّقعيد النّحوي بنسبة عالية جدّا قبل الرّبع الأخير من القرن الثّانيّ .

 

ولقد أثار هذا المنهج ، قبل ذلك  ، ردّ فعل داخليّا تجسّد في خروج أبي الحسن عليّ بن حمزة الكسائيّ  ( ت 189 ه ) ، أحد تلاميذ الخليل ، على أستاذه في مبدإ واحد  محدّد من مبادئ  منهجه .وهو منع القياس على الشّاذّ . فكان ذلك كافيا لتتشكّل ، منذ أواسط القرن الثاني ،  مدرسة جديدة عُرفت بمدرسة الكوفة ، اعتبارا  لكون  مؤسّسها أصيل هذه المدينة والحال أنّها ، كما نرى ، لم تكن سوى فرع  من مدرسة البصرة أو ربّما لم يتعدّ الأمر تشكّل اتّجاهين داخل مدرسة واحدة  انبثق أحدهما عن الآخر . وكان من أبرز أعلام الاتّجاه الذي عُرف بالكوفيّ ،  فضلا عن الكسائيّ ، فيما بعد ،  أبو زكرياء يحيي  الفرّاء (ت207 ه ) وأحمد بن يحيي ثعلب ( ت 291 ه  ).

 

ولقد تظافرت العوامل القبليّة  ( معظم أهل البصرة كانوا من العدنانيّين وجلّ سكّان الكوفة من القحطانيّين ) والسّياسيّة (  في حادثة الجمل ناصر أهل البصرة عائشة رضي الله عنها  وأهل الكوفة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه  ثمّ عند قيام الدّولة العباسية بقي الأوائل أوفياء للأمويّين وانحاز الآخرون إلى الحكّام الجدد) والثقّافيّة (كانت البصرة  منفتحة على الثّقافات الوافدة لاسيّما الثّقافة اليونانيّة ،  في حين  غلب الطّابع العربيّ الإسلاميّ  على الثّقافة السّائدة في الكوفة  ، خاصّة رواية الشّعر والأخبار والحديث وقراءة القرآن وتفسيره) في تغدية هذا الخلاف ومنحه بعدا  واسعا ، إذ امتدّ حتّى  بداية القرن الرّابع. لكنْ لمّا اكتمل  التّقعيد أو كاد ، كما قلنا ،  قبل نهاية القرن الثّاني ، فقد تركزّت المجادلات  التي دارت بين البصريّين والكوفيّين على تعليل الظّواهر النّحويّة . وهو ما أوجد مادة تعليليّة ضخمة أضيفت إلى المادّة التّقعيديّة التي كانت لها منطلقا .لكنّ التّعليل ، تاريخيا ، قد بدأ منذ عهد الخليل ، إلاّ أن طبيعة المرحلة التي فرضت ، كما بيّنا ،  ضرورة التفرّغ إلى التقعيد قد قلّصت  وقتئذ من اهتمام النّحاة به .والغرض منه ، كما يقول ابن جنّي،  هو " تقرير أصول تلك القواعد وإحكام معاقدها، والتّنبيه على شرف هذه اللّغة وسداد مصادرها ومواردها…" ( الخصائص 1/ 77 )  بحيث هو ضرب من النّظر العقلّي المنطقيّ في اللّغة يرمي إلى استكشاف  القوانين التي يخضع لها نظامها والعلاقات القائمة بين ظواهرها في نطاق ذلك النّظام  ،  في حين أنّ الغاية من التّقعيد هي بلورة  الأنماط الصّوتية و الصّيغية والتّركيبيّة التي ينبغي أن يحذوَ المتكلّم حذوها ليُجريَ كلامه على لغة الفصحاء .

 

ولهذا  فإنّ التّأليف في التّعليل  بدأ في وقت مبكّر .ولعلّ أولّ  كتاب أُلِّف فيه  كتاب  العلل النّحويّة  لأبي عليّ محمّد بن المستنير المعروف بقُطرب ( ت 206 ه  )  ، يليه تاريخيّا كتاب علل النّحو لأبي عثمان المازنيّ  ( ت 247 ه أو 249 ه ).ثمّ توالت الكتب التي أفردت له في القرن الرّابع .و لعل أشهر كتاب وصلنا منها هو الإيضاح في علل النحو لأبي القاسم  عبد الرّحمن الزّجّاجيّ ( ت 240 ه ) .

 

ولقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ مدرسة نحويّة ظهرت ببغداد على إثر توقّف المدرستين البصريّة والكوفيّة في نهاية القرن الثّالث و قامت على مبدإ المزج بين آراء تينك المدرستين .ومن أبزر أعلامها : أبو الحسن محمّد  بن كيسان ( ت 320ه ) و أبو الحسن محمّد الورّاق ( ت 320ه ) وأبو موسى سليمان الحامض ( ت305 ه ) وأبو بكر يحيي بن الخيّاط ( ت320 ه )وأبو عبد الله إبراهيم نفطويه ( ت 323ه  ) ويضاف إليهم أحيانا أبو إسحاق إبراهيم  الزجّاج ( ت 311 ه ) وأبو القاسم عبد الرّحمن الزجّاجيّ ( ت 240 ه ) .لكن وجود هذه المدرسة لم يحظ بإجماع  القدامى ولا المحدثين ، لعدم اتّفاق أولئك النّحاة على ما أخذوه عن البصريّين والكوفيّين .وإنما اتّسم الأخذ عند كلّ واحد منهم بالاجتهاد الفردّي . لذلك نُعت أكثرهم  طورا بالبصريّين وطورا بالكوفيّين .

 

ولعلّ أهم إضافة معرفيّة تحقّقت في القرن الرّابع ظهور علم أصول النّحو الذي نشأت فكرته الأولى عند أبي علي الفارسيّ ( ت 377 ه )  ثمّ تبلورت أسسه على يدي تلميذه أبي الفتح عثمان بن جنّي ( ت 392 ه ) في كتابه الخصائص حيث سعى إلى تثبيت أصول النّحو  على مذهب أصول الفقه وعلم الكلام .

 

ويمكن القول  إنّه بانتهاء القرن الرّابع قد اكتملت المادّة التّعليليّة . ولم يبق للنّحاة اللاّحقين إلاّ صيانة ما وصلهم من معارف نحويّة أو التوسّع فيها . لذلك انصرفوا إلى التّفنّن في معالجتها وطرائق إخراجها . فألّفوا المختصرات مثل كتاب المفصّل لأبي القاسم محمود الزّمخشريّ ( ت 538 ه ) وكتابي الكافية في النّحو والشّافية في التّصريف لأبي عمرو جمال الدّين  بن الحاجب ( ت 646 ه ) وشرح قطر النّدى لأبي محمّد بن هشام الأنصاريّ ( ت 761 ه ) والشّروح المطوّلة كشرح المفصّل لأبي البقاء يعيش بن يعيش ( ت  643ه ) و تفسير البحر المحيط لأبي عبد الله محّمد بن حيّان الأندلسيّ ( ت 654 ه ) وشرحي الكافية والشّافية لرضي الدّين الأستراباذيّ ( ت 686 ه ) ، كما ألّفوا في الخلاف النّحويّ بين البصريّين والكوفيّين مثل كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات عبد الرحمن الأنباري ( ت 577 ه ) ومسائل خلافيّة في النّحو لأبي  عبد الله البقاء العكبري ( ت 611ه ) .ومن أهم ما أُلّف في هذه المرحلة الطويلة كتاب مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاريّ الذي عقد فيه  صاحبه لأوّل مرّة بابا للجملة .

 

وحتّى إن عدّ بعضهم دعوة أبي العبّاس أحمد بن مضاء القرطبيّ (ت 592 ه  )  في كتابه الصّغير الحجم  الردّ على النّحاة إلى التخلّي عن مفهوم العامل النّحويّ أساسا قامت عليه مدرسة نحويّة في الأندلس فالثّابت أنّ هذه الفكرة سبقه إليها ابن جنّي ، إذ قال : "فأمّا في الحقيقة ومحصول الحديث ، فالعمل من الرّفع والنّصب والجرّ والجزم ، إنّما هو للمتكلّم نفسه ، لا لشيء غيره " (ابن جنّي ( أبو الفتح عثمان ) ، الخصائص ، تحقيق محمّد علي النجّار ، دار عالم الكتب  ، بيروت ، 2006  1/177) .

 

وأمّا علم اللّغة الذي نسميّه اليوم "معجميّة" فمسيرته أوضح وأقلّ تعقّدا من مسيرة النّحو . فبعد أن جُمعت اللّغة العربيّة لغاية تدقيق معانيها على نحو يمكّن من الفهم  الصّحيح للنّصّ القرآنيّ وأُودعت في  رسائل صغيرة الحجم خُصّصت لموضوعات أو ظواهر لغويّة مفردة ككتاب الوحوش لعبد الملك بن قريب الأصمعيّ ( ت216  ه)  وكتاب الهمز لأبي زيد سعيد الأنصاريّ ( ت 215 ه )  كان الانتقال طبيعيّا إلى تأليف القواميس اللّغويّة العامّة  .

 

 وكان أوّلها كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ ( ت 175 ه ). وقد أظهره للنّاس بعد وفاته تلميذه اللّيث بن المظفّر ( ت 180ه) .فدخل بغداد من خراسان .لذلك شكّ في نسبته إلى الخليل الكثيرون من القدامى والمحدثين وإن رجّح معظمهم أنّ فكرة تبويبه طبقا لحروف المعجم مرتّبة من الحلق إلى الشّفتين ثمّ ترتيب موادّه وفق طريقة  التّقليب هي للخليل وليست للّيث .وربّما اكتفى الخليل بإملاء المقدّمة ثمّ  تكفّل اللّيث بجمع اللّغة وتأليف الكتاب.

 

وحين نلقي نظرة عامّة على المراحل اللاّحقة التي قطعتها القاموسيّة العربيّة بعد هذا الكتاب التّأسيسيّ نلاحظ أنّ التّأليف القاموسيّ قد حكمه فيها شاغلان : أحدهما تقنيّ بحت ، تجسّد في تأليف القواميس طبقا لطريقة معيّنة  في التّبويب والتّرتيب  . فتوزّعت ، بمقتضى ذلك ، على أربع طرائق :  الأولى هي  طريقة الخليل التي ألمحنا إليها منذ حين  . وقد تابعه فيها أبو عليّ إسماعيل القاليّ ( ت 356 ه )  في كتابه البارع و أبو منصور محمّد الأزهري ( ت 370 ه )  في كتابه تهذيب اللّغة وأبو القاسم إسماعيل بن عبّاد  الملقّب بالصّاحب  ( ت385   ه ) في كتابه المحيط وأبو الحسن عليّ بن سيدة  (  ت 458 ه ) في كتابه المحكم والمحيط الأعظم  و الثّانية هي طريقة التّرتيب حسب أوائل الأصول – وقد اتّبعها أبو عمرو إسحاق  الشّيبانيّ ( ت ه )  جزئيّا في كتابه الموسوم بالجيم  ثمّ أبو بكر محمّد بن دريد  ( ت 321 ه )   في كتابه جمهرة اللّغة ثمّ أبو الحسين أحمد بن فارس ( ت 395 ه )  في كتابه مقاييس اللّغة ثمّ على نحو كلّيّ أبو المعالي  محمّد البرمكيّ ( ت 411 ه ) في إعادته ترتيب قاموس الصّحاح لأبي نصر إسماعيل الجوهريّ  ( ت 393 أو400 ه )  و مثله أبو القاسم جار الله محمّد  الزّمخشريّ (ت 538 ه) في كتابه أساس البلاغة  ثمّ كلّ القاموسيّين العرب المحدثين والطّريقة الثالثة هي طريقة الجوهري  التي قامت على ترتيب  الجذور وفق أواخر الأصول .وقد سار على نهجه  فيها أبو الفضل جمال الدّين بن منظور ( ت 711 ه ) في كتابه لسان العرب وأبو طاهر محمّد الفيروزباديّ ( ت 817 ه ) في كتابه القاموس المحيط ومحمّد مرتضى الزَّبيديّ (ت  1205 ه )  في كتابه تاج العروس  من جواهر القاموس  والطّريقة الرّابعة هي طريقة  أبي عبيد القاسم بن سلاّم الهرويّ ( ت224 ه )التي اعتمدت  التّبويب حسب الموضوعات  . وقد اتّبعها في كتابه الغريب المصنّف   واقتفى أثره فيها وأبو يوسف يعقوب بن السّكّيت   ( ت 224 ه )  في كتابه دلالة الألفاظ  وأبو الفرج قدامة بن جعفر ( ت 320 ه  ) في كتابه جواهر الألفاظ وأبو هلال الحسن العسكريّ ( ت 394 ه )  في كتابه التّلخيص في معرفة الأشياء وابن سيدة في كتابه المخصّص .

 

أمّا الشّاغل الثّاني الذي وازى هذا الشّاغل التّقني فهو فكريّ بحت ، إذ انصبّ على  نوع اللّغة التي تُختار للجمع . وهذا الاختيار يكمن وراءه  حتما  موقف معيّن من اللّغة العربيّة . ومن هذه النّاحية توزّعت القواميس التّراثيّة على اتّجاهين كبيرين : أحدهما معياريّ - وهو الأقدم لأنه حَكَمَ عمليّة جمع اللّغة التي اضطلع بها الروّاد -  قام على حصر الفصاحة في لغة الأعراب  المستقرّين في بوادي الحجاز ونجد وتِهامة . و إليه ينتمي كتاب تهذيب اللّغة للأزهري وكتاب الصّحاح للجوهري وكتاب المُحكَم والمحيط الأعظم لابن سيدة وكتاب لسان العرب لابن منظور والاتّجاه الآخر وصفيّ  اتّسم بالانفتاح على لغات القبائل المقيمة في مناطق أخرى من شبه الجزيرة العربيّة ولغات أهل الأمصار ، سواء  ما جاء فيها من مولّد ،  كما في كتاب العين المنسوب إلى الخليل و جمهرة اللغة لابن دريد والقاموس المحيط للفيروزبادي أو حتى من ألفاظ عاميّة مثلما هو الشّأن في كتاب تاج العروس للزَّبيديّ . ولقد لفت الانتباه ، بوجه خاصّ ،  من هذه الكتب، كتاب الجمهرة الذي اقتصر فيه صاحبه على جمع الشّائع من المفردات ، طارحا ما وصفه بالحُوشيّ والمُسْتَنْكر ، فضلا عن الألفاظ اليمنيّة الكثيرة التي انفرد بها .وما يقال في النّحو والمعجم يقال في علم البلاغة الذي نشأ أيضا في رحاب الدّراسات القرآنيّة . ولعلّ أقدم كتاب في  هذا الباب كتاب المجاز في القرآن لأبي عبيدة  معمّر بن المثنّى ( ت 210 ) . وبه فتح الباب أمام أدباء ولغويّين  من بعده ليُدْلوا فيه بدلائهم ،  لا في لغة القرآن فحسب بل في  كلام العرب الفصحاء بوجه عامّ .ومن هؤلاء   أبو عثمان بن بحر الجاحظ ( ت 255 ه ) في كتابه البيان والتّبيين و أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ( 296هـ )   في كتابه البديع . ولكنّ صرح هذا العلم لم يكتمل إلاّ في القرن الخامس الهجريّ على يدي عبد القاهر الجرجانيّ في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة اللّذين وضع فيهما أسس علمي المعاني والبيان ثم اكتفى اللاّحقون له بتدقيق قوانين هذين  العلمين   لعل أبرزهم أبو يعقوب يوسف السّكّاكيّ ( ت 626 ه ) وأبو المعالي محمّد الخطيب القزوينيّ (  ت 739 ه ) . وكان ابن النّاظم، بدر الدين بن مالك (ت686هـ ) أولّ من ألحق بهما علم البديع ليصبح علم البلاغة بذلك  مشتملا على ثلاثة علوم فرعيّة .ولم تغب عن اللّغويّين العرب القدامى فكرة المعجم   المختصّ  .فألفّ أبو عمرو الشّيبانيّ كتاب الجيم جامعا فيه ألفاظا كثيرة من لهجات القبائل غير الشّماليّة . وألّف غيره قواميس في  غريب القرآن رتّبوا ألفاظها على حروف المعجم   منها كتاب نزهة القلوب لأبي بكر  محمّد السّجستانيّ ( ت 330 ه ) و  كتاب مفردات القرآن لأبي القاسم الحسين  الرّاغب الأصفهانيّ (ت343 ه  ) و تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حَيّان الأندلسيّ ( ت ه ) وأخرى خصّصوها للألفاظ الدّخيلة ،  أشهرها كتاب المُعرَّب من الكلام الأعجميّ على حروف المعجم لأبي منصور موهوب الجواليقيّ (  ت  540 ه )  وكتاب شفاء الغليل فيما كلام العرب من الدّخيل لأحمد بن عمر الملقّب بشهاب الدّين الخفّاجيّ ( ت 1069 هـ ).بل شغلت بعضهم  حتّى فكرة  المعجم التّأصيليّ  . ونقصد هنا تحديدا ابن فارس  صاحب كتاب مقاييس اللّغة .ولقد استمرت هيمنة هذا التّراث النّحويّ والمعجميّ والبلاغيّ  على الدّرس اللّغويّ العربيّ حتّى القرن العشرين حين هبّت عليه رياح اللّسانيات الغربيّة الحديثة ، بما حملته من مفاهيم مستحدثة أربكت اللّغويّين العرب المعاصرين .فطفقوا يقرؤون في ضوئها  لغتهم  ويراجعون  النّظريات والمفاهيم التي وضعها أسلافهم . وكان أوّل من فتح الباب في هذا المنحى إبراهيم أنيس ( 1906 – 1977 ) الذي كان أوّل عربيّ تلقّى تكوينا في علم اللّسانيات الحديث بإيعاز من طه حسين حين كان عميدا لكلية الآداب بالجامعة المصريّة ، إذ عاد سنة 1941 من لندن إلى مصر بشهادة الدكتوراه في هذا التخصّص .فتشكّلت ،  منذ ذلك الوقت ، مدوّنة بحثيّة ضخمة لم تنفك تتعزّز  بالتآليف الفرديّة والجماعيّة عن مختلف مستويات اللّغة و دقائقها وقضاياها .