الببليوغرافيا

النّحو العربيّ بمفهومه الشّامل

   لقد اشتغل العلماء العرب ردحا مديدا بالنّحو دون أن يلتفتوا إلى تعريفه. فكتاب سيبويه - وهو الذي عدّ  دستور النّحاة - لا يحتوي على تعريف لهذا العلم. وإذا جاوزنا شطر البيت المنسوب إلى الكسائيّ (ت 189) وهو ]رمل[:

"إنّما النّحو قياس يتّبع***** وبه في كلّ علم ينتفع"

فإنّا لا نعثر على أوّل تعريف لهذا العلم إلاّ في بداية القرن الرّابع حين عرّفه ابن السرّاج (ت 316) تعريفا عامّا لا نحصل منه على مادّة المعرَّف وجوهره وإنّما على المنهج المتّبع فيه .وهذا التّعريف هو: "النّحو علم استخرجه المتقدّمون من استقراء كلام العرب" .أمّا ثاني تعريف فينسب إلى أبي الفتح عثمان بن جنّي (ت 392 هـ) في كتابه الخصائص دون أن يبلغ في العبارة عنه صرامة الحدّ. فهو يقول:

" النّحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرّفه من إعراب وغيره: كالتّثنية والجمع والتّحقير والتّكسير والإضافة والنّسب والتّركيب وغير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل اللّغة العربيّة بأهلها في الفصاحة فينطق بها و إن لم يكن منهم . و إن شذّ بعضهم عنها رُدَّ به إليها. وهو في الأصل مصدر شائع، أي نحوت نحوا، كقولك قصدت قصدا، ثم خُصَّ به انتحاء هذا القبيل من العلم" (1/ 34 ). فلا يفوت منتبها أنّ ابن جنيّ جعل النّحو مرّة "انتحاء سمت كلام العرب" ومرّة أخرى "انتحاء هذا القبيل من العلم". وهما أمران مختلفان شديدا الاختلاف. ولا يخفى أنّ الذي ينتحي سمت كلام العربيّ ليس العالم الذي يستخرج نظام اللّغة وإنّما هو النّاشئ فيهم أو الطارئ عليهم  الذي يسعى إلى تعلّم لغتهم بالتّقليد والممارسة في كلّ مستويات النّظام .وهي حال كلّ متعلّم لغة، وخاصّة اللّغة الأمّ حيث يقلّد الناشئ الكهول في سنوات النشأة الأولى ويسلك سلوكهم اللّغويّ حتّى يستوعب النّظام. أمّا عبارته الثّانية فلا نرى لها معنى مناسبا للتّعريف. ولكنّ ذلك لا يمنعنا من أن نفهم من الأمثلة خاصّة أنّ النّحو عند ابن جنّي علم باللّغة يشمل دراسة المفردات (الصّرف) ودراسة التّأليف (الإعراب). وقد أورد السّيوطيّ طائفة من حدود النّحو (ستّة حدود) أربعة منها تحصره في الإعراب واثنان منها فقط يجعلانه شاملا للبابين الكبيرين الصّرف والإعراب أوّلهما تعريف ابن جنّي والثاني نسبه إلى الخضراويّ (وهو أبو عبد الله محمّد بن يحي الأندلسيّ ويعرف بابن البرذعيّ ت 646 ه ) .وهذا التّعريب يستجيب في ما نرى لشروط الحدّ .وهي التّجريد وتعريف الشّيء بما هو والجمع والمنع. وفيه نجد: "النّحو علم بأقيسة تغيّر ذوات الكلم وأواخرها بالنّسبة إلى لغة لسان العرب"(السّيوطيّ، الاقتراح في علم أصول النّحو ط. جروس برس ، 1988، ص 23). فالعلم بأقيسة تغيّر الكلم في ذواتها هو علم الصّرف .والعلم بتغيّر أواخر الكلم  الذي لا يكون إلاّ في التّأليف  للدّلالة على الوظائف هو علم الإعراب. وهو أفضل من تعريف الأنباريّ ت (577هـ): "النّحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب". وبهذا  المعنى الواسع الشّامل جاء في كتاب سيبويه. وهو الذي نأخذ به في هذه القاعدة البيانيّة .لكنّ من النّحاة المتأخّرين من أخرجوا التّصريف من النّحو بأن خصّصوا له كتبا منهم ابن الحاجب ( ت 646 ه )  مؤلّف الكافية  في النّحو والشّافية في التّصريف وابن عصفور الإشبيليّ   ( ت 669 ه ) صاحب المقرّب في النّحو والممتع في التّصريف  .ومثل هذه الكتب سندرج ما    أُثْبِت في عناوينها مصطلح  " النّحو " ضمن باب " الإعراب "  وما خُصّص منها للتّصريف في باب الصّرف .

   وفي العصر الحديث استعمل مصطلح النّحو في بعض البلدان العربيّة منها تونس والمغرب ولبنان بمعنى  الإعراب أي العلم الذي يدرس  التّركيب ووظائف المفردات وعلامات وظائفها  داخله واتّخذ بذلك مقابلا للصّرف الذي يتناول بُنى المفردات .

   والأفضل ، في تقديرنا ، أن تُتّخذ الألفاظ العربية " نحو " و" صرف " و" إعراب " و" تصريف " مقابلا  على التّوالي للألفاظ الانكليزيّة  Grammar  و              Morphology و Syntax    و   conjugaison    
 والفرنسيّة  
Grammaire   و   Morphologie  و   Syntaxe  و  Conjugaison