الببليوغرافيا

تعليميّة اللّغة العربيّة

    يحسن في البدء التّفريق بين دلالات ثلاثة مصطلحات غالبا ما يخلط غير المتخصّصين بينها هي التّربية والبيداغوجيا والتعليميّة .

 فالتّربية هي العمليّة التي بها يرمى الكبار إلى تنمية المؤهّلات الذهنيّة والنفسيّة و الجسميّة للأطفال باستثمار العناصر الثقافيّة الخاصّة بمحيطهم الجغرافيّ في فترة تاريخيّة معيّنة . وهي عمليّا تزويد الأجيال اللاّحقة بمدوّنة من المعارف النظريّة المجرّدة و التطبيقيّة ومن القيم التي تقوم عليها الثّقافة السّائدة . ويشمل هذا التّكوين كلّ المجالات من دين وأخلاق و تقنيات وعلوم و صحّة وأدب وفنّ وغيرها .

 أمّا البيداغوجيا - وهي ترجمة للكلمتين الفرنسيّة ( Pédagogie ) والإنجليزيّة ( Pedagogy ) المنحدرتين من الأصل اليونانيّ ( Paidagôgia ) الذي معناه نظريّة أو علم تربية الأطفال – فهي تطلق على طرائق التّعليم التي تستخدم في تبليغ معارف مّا.

 وأمّا التعليميّة فهي تتميّز بالدّور المركزيّ الذي تؤدّيه المادّة المدرّسة والقضايا الإيبستيمولوجيّة الخصوصيّة التي تثيرها .والمقصود بذلك أنّه توجد تعليميّات لا تعليميّة واحدة نحو: تعليميّة اللّغة العربيّة ، تعليميّة اللّغة الفرنسيّة ، تعليميّة الرّياضيات ، تعليميّة الجغرافيا ...

 ومن ثمّة فالتّربية أعمّ من البيداغوجيا . و هذه أعمّ من التعليميّة . لكنّ كلّ تعليميّة تندرج وجوبا في إطار بيداغوجيّ عامّ .

 ولمّا كان الأمر يتعلّق هنا بتعليميّة محدّدة هي تعليميّة اللّغة العربيّة التي هي فرع من تعليميّة اللّغات فإنّ القضايا التي تثيرها على ضربين : قضايا ذات صلة بتعليم اللّغات عامّة وأخرى بتعليم اللّغة العربيّة تخصيصا. أمّا الأولى فمحورها الأكبر هو : كيف يمكن الإفادةُ من آليات الاكتساب اللّغويّ الذي هو ، بوجه علم ، عمليّة لا واعية يقوم به الطّفل مرّة واحدة في حياته ، وفقا لسلسلة معيّنة من المراحل يبدو أنّها طبيعيّة وموافقة لنموّه الجسميّ والذّهني والنّفسي ويكتشف بمقتضاها لغته الأمّ ويحذق استعمالها تدريجيّا دون معلّم ودون أدنى معرفة بوجود قواعد اللّغة.

 وبعبارة أوضح تفترض تعليميّة اللّغات إمكان التدّخل المفيد في عمليّة تعليم لغة مّا للكبار أو الأجانب بجعلها تجري على نحو أقرب ما يكون إلى العمليّة التي يكتسب الطّفل وفقها لغته الأمّ .

 أمّا تعليميّة العربيّة فهي تهمّ مبدئيّا كلّ الأطفال العرب الذين هم في سنّ التّمدرس . وذلك لأنّ اللّغة العربيّة الفصيحة التي تُدَرَّس لهم و إن كانت قريبة من لهجاتهم الأصليّة فإنّها تختلف عنها اختلافا شديدا ، لكونها لغة إعرابيّة تحكمها قواعد مخصوصة لا تخضع لها لهجاتها .

 

 ومن ثمّة فإنّ الإشكاليّة الذي عليها مدار تعليميّة اللّغة العربيّة هي : كيف تُعَلَّمُ هذه اللّغة للطّفل العربيّ بأسلوب قريب من الذي اكتسب به لهجته الأمّ وكيف تُعَلَّمُ بالأسلوب نفسه لغير الطّفل العربيّ من كهول وأجانب .

 وقد ظهرت منذ ستّينات القرن العشرين مدوّنة مهمّة من المؤلّفات العربيّة منها ما هو كتب للتّدريس ومنها ما هو بحوث يعالج فيها أصحابها هذه القضيّة .

 ولقد أدّى التّطوّر الحثيث لميدان تعليم اللّغة لغير النّاطقين بها إلى ازدهار ميدان آخر ارتبط به على نحو وثيق وهو مجال الوسائل التّعليميّة الحديثة .وذلك لما ثبت للبيداغوجيّين والمدرّسين من قدرتها الفائقة على ترغيب المتعلّم في الدّرس وترسيخ المعلومات التي تُقدَّم له في ذهنه ، خلافا للسبّورة التّقليديّة و الطباشير و الكتاب المدرسيّ التي كادت تفقد كلّ جاذبيّة و تشويق في محيط أضحى يزخر بالوسائل السّمعيّة و البصريّة التي غزا بعضها كلّ بيت تقريبا في المدن و حتّى في بعض القرى و الأرياف وصار يجتذب الشّباب اجتذابا . فإذا هم يتهافتون على اقتنائها و استعمالها بكلّ شغف و لهفة.وهو ما حفز البيداغوجيّين والمدرّسين في العالم المتقدّم على الإفادة منها في تعليم اللّغات .

 ولعلّ من أبرز هذه الوسائل السبّورة اللّبديّة ) Le tableau de feutre ) و الفيلم الثّابت (Le film fixe ) و العاكس الضّوئيّ (Le rétroprojecteur ) والإذاعة والتلفزة والمخبر اللّغويّ ( Le laboratoire de langue ) والفيديو و الحاسوب .

 وأهمّ من كلّ ذلك أنّه تعلّقت بهذه الوسائل دراسات كثيرة تبيّن طرائق استعمالها وأبعادها البيداغوجيّة وانعكاسها على نفسيّة المتعلّم . وهو ما لم يفت البيداغوجيّين العرب الذين عرّفوا بالكثير منها ودرسوا إمكان توظيفها في تعليم اللّغة العربيّة لمختلف أصناف المتعلّمين .