الببليوغرافيا

اللّغة العربيّة وعلم اللّغة الإحصائيّ

   

   الإحصاء لغة هو ، كما ورد في لسان العرب ، : "العدّ والحفظ. وأحصى الشّيء أحاط به. وفي التّنزيل: وأحصى كلّ شيء عددا، ...أي أحاط علمه سبحانه باستيفاء عدد كلّ شيء" .أمّا من حيث الشّكل اللّغويّ فالإحصاء مصدر مشتقّ من الفعل المزيد أحصى يُحصي المشتقّ هو أيضا من اسم الجوهر حصاة وتُجمع على حصًى وتعني صغار الحجارة .وهو في عبارة للنّضر ابن شميل (ت203 هـ) "تقرّب الصّورة: ما كان مثل بعر الغنم ".

   أمّا اصطلاحا فالإحصاء فرع من الرّياضيات التّطبيقيّة به تعالج المعطيات معالجة رياضيّة تسمح باستنباط مناويل احتماليّة وبوضع توقّعات. وهو صالح لتحسين نفاذيّة العقل إلى الظّواهر المتعدّدة المتكرّرة المعقّدة التي تبدو فوضويّة أو خفيّة الانتظام. ومن هذه الزّاوية فالإحصاء في جوهره البسيط كفاية طبيعيّة في الدّماغ البشريّ. فالأفراد يواجهون في حياتهم اليّوميّة أوضاعا يحتاجون فيها  إلى أخذ قرارات. وهذه القرارات قد تكون بسيطة بل تافهة أحيانا وقد تكون في أحيان أخرى ذات أهمّيّة قصوى . وهي كلّها تستند إلى كفاية ذهنيّة تشتغل بمجموع معلومات الشّخص المعنيّ في المسألة المعنيّة وترجيحه بعض المكوّنات على بعض وتوقّعه نتائج مترتّبة عليها لا اعتباطا ولا اتّفاقا ولكن لمؤشرات تبدو له فاعلة أكثر من غيرها. تلك العمليّات الطبيعيّة الواقعة بين الحدس والدّرس هي التي اشتغل بأمرها علم الإحصاء العامّ وجعلها قائمة على منهج مسطّر المراحل يحاول الباحث أن يتبيّن به في الظّواهر ما هو عامّ  له حدّ أدنى من الإطلاق اللاّزم للعلم. ونحن نرى أنّ مجالات عدّة من البحث وخصوصا إذا كانت الظّواهر المرصودة كثيرة العدد وحدوثها غير منتظم أو يبدو عشوائيّا والعناصر الفاعلة فيه متعدّدة وتبدو غير منتظمة، ما عاد بالإمكان في عصرنا هذا دراستها مع جهل ما يوفّره الإحصاء من إمكانات.

   وقولنا إنّ الإحصاء يستغلّ لمعالجة الكثرة الخاضعة لعوامل واقعيّة اتفاقيّة يوجّهنا إلى مجال التّطبيق الإحصائيّ. فهو ، خلافا لما نراه شائعا بين كثير من النّاس العاديّين ومن الباحثين في الإنسانيات أيضا،  يناسب العلوم الإنسانيّة من اقتصاد واجتماع وعلم نفس وسياسة ولغة وأدب لا العلوم الصّحيحة أو علوم المادّة. ويعود ذلك  إلى اشتغاله بالمتغيّرات الفاعلة في الظواهر كما تشتغل في الواقع لا كما يُخطط لها. ففي العلوم الصّحيحة أو في بعضها ، على الأقلّ ، يمكن أن يتصرّف العلماء داخل  المخابر في المتغيّرات كأن يُترك بعضها فاعلا ويُحيّد بعضها الآخر، فتعرف تبعا لذلك مسبّقا كامل شروط التّجربة المزمع القيام بها. وذلك الأمر غير ممكن في العلوم الإنسانيّة. ولمّا كان الإحصاء هو المنهج المناسب لدراسة الظّواهر في الشّروط الواقعيّة فهو الأنسب إلى العلوم الإنسانيّة.

 

1-في المنهج الإحصائيّ :

 

   ليس من دراسة إحصائيّة إلاّ وخلفها سؤال يؤسّس لها .وليس من جدول توزيعيّ ولا من رسم بيانيّ ولا من عمليّة رياضيٌة إلاّ وفيه أو فيها إجابة مّا عن سؤال صريح أو ضمنيّ. ولكنّ الإحصاء لا يجيب عن أيّ سؤال وكيفما طرح. فهو لا يجيب عن ماهيّة الأشياء والظّواهر  بل عن خصائصها وعلاقاتها وتأثير بعضها في بعض .وهو ما يتيح امكان التّكهّن بمصائرها. وهو يشترط لذلك أمرين لا غنىً عنهما هما: أوّلا وجود معطيات قابلة للملاحظة وثانيا أن تكون تلك المعطيات قابلة للقيس .لذلك ينبغي أن تكون ذات طبيعة كمّيّة أو قابلة للتّكميم  على نحو  أو آخر. وهذه المعطيات هي التي تكوّن ما يسمّى بالمجتمع أو الكون الإحصائيّ.

 

1-1 : الكون الإحصائيّ: univers statistique - statistical univrese :

   يشتغل الإحصاء بأعداد كثيرة يطلق عليها علماء الإحصاء مصطلح "المجتمع" أو "الكون". والمجتمع الإحصائيّ أو الكون الإحصائي هو مجموعة العناصر التي يسعى الباحث إلى دراسة خصائصها الكمّيّة أو الكيفيّة. وهذه المجموعة يمكن أن تشمل مئات العناصر أو بضعة آلاف أو الملايين ممّا لا تقدر على جمعه حتّى المؤسّسات .بل إنّه قد يستحيل ضبط الكون الإحصائيّ ، كأن يرغب معهد بحوث في معرفة تأثير لقاح مّا ضدّ الرشّح. أيمكنه تجربته على سكّان المعمورة واحدا واحدا أم لا . لذلك فإنّه سيستند في نتائجه وأحكامه إلى تلك المجموعة المحدودة التي استعملت اللّقاح وتابعها ورصد تأثير اللّقاح فيها ،  في حين أنّ المجتمع المقصود بالنّتائج هو سكّان المعمورة في الزّمن (ز). ولمّا كان إحصاء الكون الإحصائيّ وضبطه بالعدّ صعبا أو مستحيلا، اعتمد علم الإحصاء مفهوما آخر ملازما لمفهوم الكون هو مفهوم "العيّنة".

 

1-2 : العيّنة: sample   échantillon - :

 

   هي مجموعة فرعيّة من الكون الإحصائيّ اختيرت لتكون شاهدا على الكون وممثّلا له. ولذلك فهي مفهوم ضروريّ لقيام علم الإحصاء. فلو كان الإنسان قادرا على ضبط الأكوان بالملاحظة والذّاكرة، ولو كان أيضا قادرا على ضبط مفعول كلّ شاهد على غائب وكلّ حاضر على مستقبل لما نشأ علم الإحصاء ولتنزّل الإنسان في منزلة الرّبوبيّة. ولكن لمّا كان الإنسان دون هذه المرتبة ،  نشأ هذا العلم لمحاولة السّيطرة على الكثرة القاهرة بمعرفة خصائصها والقاعدة أو القواعد المتحكّمة فيها واستخلاص ما يترتّب على  ذلك. ويتحقّق  ذلك بتعميم خصائص العيّنة على الكون الذي أُخذت منه. فالعيّنة تقرر حينئذ الاستنتاجات الممكنة المتعلّقة بالكون الإحصائيّ. وهي  تتحكّم في ما يمكن أن ينشأ لدينا عن ذلك الكون من تصوّرات ومواقف وأحكام وتوقّعات مستقبليّة. وهذه الحقائق تنبّهنا إلى خطورة العيّنة في الدّراسات الإحصائيّة .وهي خطورة يجمع الإحصائيّون عليها.وللعيّنة قرابة من المثال .فالمثال واحد  ولكنّه ممثل لغيره دال عليه في نظر من اختاره. والعيّنة مثال أيضا ولكنّه متعدّد بالضّرورة. وقد لاحظ الإحصائيّ الإنكليزيّ يول العلاقة اللّغويّة في الإنكليزيّة بينهما: (sample--ensample --example). قد يكون المثال صحيحا، ممثلا للكون .وهو ما يمكن تأكيده ببحث أعمق ولكنّه لا يسلم من ذاتيّة الباحث. أمّا العيّنة فلها عند أهل التّخصّص شروط تضمن تمثيليّتها وموضوعيّتها في ما سمّوه ب"عشوائيّة العيّنة" random sampling ولها حجم معقول. ثمّ إن العيّنة تصنّف إلى مجموعات فرعيّة تبعا لخصائص تسمّى "متغيّرات".

 

1-3 : المتغيّر و الصّيغة   variable and modality ، variable et modalité:

 

   المتغيّر خصيصة نوعيّة أو كمّيّة من ذات الشّيء المدروس  أو لصيقة به أو ملازمة له أو واسمة بأيّ شكل من الأشكال. فالجنس والوزن والطّول ولون البشرة أو العينين أو الشّعر واللّغة متغيّرات في بني البشر. والحرف والمقطع واللّفظم والكلمة والمركّب والجملة متغيّرات في الكلام . أمّا الصّيغة فالمقصود بها طبيعة المتغيّر وهي إمّا مستمرّة (Discontinue) أو منفصلة   continue والملاحظات التي يمكن أن تكون في مقياس تكميمها كسور من قبيل الوزن والطّول والتّوقيت فصيغها مستمرّة والملاحظات التي لا تتجزّأ من قبيل أعداد أفراد الأسرة وفي اللّغة الحروف والصّواتم والكلم والجمل صيغها منفصلة. وبعد العمليّات الأوّليّة المذكورة يبدأ فرز المعطيات وتصنيفها وترويضها. وفي هذا المستوى يتفرّع البحث الإحصائيّ فرعين أساسين: إحصاء وصفيّ وإحصاء رياضيّ. يعتمد الإحصاء الوصفيّ على ضبط النّزعات المركزيّة من متوسّط ووسيط ومنوال وعلى نزعات التّشتّت من تأرجح وانزياح معياريّ ومدى ويعتمد الإحصاء الرّياضيّ على حساب الاحتمالات وعلى اختبار الدّلالة الإحصائيّة واختبار الفرضيات...

 

2-الإحصاء وعلم اللغة:  نظرة تاريخيّة :

 

   يعـود إحصاء الوحـدات اللّغويـّة إلـى عهود قديمـة جدّا ."فالقـدمـاء من الهنـود قد أحصوا إحصـاء دقيقا عــدد الأسطـر والكلمات والمقاطع في كتـاب الفيـدا" .وقد جرّد نحاة الإسكندريّة من كلم هوميروس ما لم يُذكر إلاّ مرّة واحدة (هاپاخ ليعومينا) ، كما أنّ النّساخ اليهود أحصوا كَلِم سُنَنهم.  والعرب أيضا أحصوا كلمات القرآن. ولكن يبدو أنّ الغايات تختلف في دوافعها والرّوح التي تحرّكها عمّا نلاحظه اليوم . فبعضها لم يقصد به فهم الظّاهرة اللّسانيّة وإنّما كان لغاية عمليّة ، مثلما حصل عند اليهود .فقد كان النُّسّاخ يقومون بهذا الإحصاء لمعرفة مستحقاتّهم الماليّة مقابل عملهم. وأمّا عند نحاة الإسكندريّة فكان قصدهم تثبيت اللّغة الإغريقيّة القديمة التي اعتبروها الأنموذج الأعلى المهدَّد بالزوال نتيجة فساد الألسنة في عصرهم. ولا تختلف دوافع الهنود والعرب عن دوافع نحاة الإسكندريّة في جوهرها. فهي دوافع تقديسيّة أيضا ، إلاّ أنّها من طراز دينيّ. ولكنّ هذه الأعمال لم تمثّل نقلة نوعيّة في تناول الظّاهرة اللّغوية تناولا رياضيّا ، إذ أنّها لم تتجاوز عمليّات العدّ الأولى والتّصنيف.

   أمّا الإحصاء اللّغويّ العلميّ فبدأ أوّل ما بدأ في بعض أشكاله الرّياضيّة المتطوّرة عند العرب. وكان ذلك في مجالات العروض والمعجميّة والفصاحة .وهو ما يجدر أن يتّخذ منطلقا أصيلا للبحث اللّغويّ والأسلوبيّ عندنا اليوم.

   أمّا في ما يخصّ الإحصاء في الغرب ذلك الذي تناسل من الرياضيّات واستغله بعضهم في تبيّن خصائص القول أي الأسلوب فإنّ الباحثين يجمعون على أنّه لم يستعمل في التّشخيص الأسلوبيّ إلاّ في حدود منتصف القرن التّاسع عشر (1851). وهو تاريخ متقدّم جدّا للتّطبيق الإحصائيّ في ميدان الأسلوب. فظهور الإحصاء فرعا معرفيّا مستقلاّ جديدا يرجع إلى القرن التّاسع عشر. ويكفي أن نعرف أنّ الميلاد الرّسميّ للإحصاء الاقتصاديّ يعود إلى سنة 1930-  وكان ذلك  في أمريكا حيث أنشئت بجامعة شيكاغو الجمعيّة الإحصائيّة - وأنّ الأكاديميّة الفرنسيّة لم تعترف بالمصطلح إلاّ سنة 1835 وإن كان قد ظهر قبل ذلك بما يقارب القرن بين الأكاديميّين الألمان في مجالات البحث في الثّروة والدّولة و أنّ المدرسة الإنقليزيّة التي كانت تسمّى أحيانا بالأرطمتيقا السّياسيّة كانت أسبق وهي أشهر وأشد  طرافة من غيرها. ثم إنّ الإحصاء انتشر أداة ناجعة في القرن التّاسع عشر في ميدان العلوم الفيزيائية والطّبيعيّة والبيولوجيّة والمعدنيّة والجوّية والنّفسيّة والاجتماعيّة. فلم يكن استعماله في المجال اللّغويّ متأخّرا عن غيره  من المجالات البتّة. وإلى جانب ذلك فإنّه يحسن أن يضاف توضيح آخر .وهو أنّ أوّل وجوه الاستعمال الحديث للإحصاء كان في حقل الأسلوب لا اللّغة بمعنى النّظام،  غير أنّه لا يخفى على أحد الفرق المهول بين ما حقّق الإحصاء من فتوحات في مجالات العلوم الصّحيحة والعلوم الإنسانيّة كالاقتصاد والاجتماع والنّفس، بحيث أسهم في توطيد دعائمها باعتبارها فروعا نازعة إلى الدّقّة والصّرامة العلميّتين وبين استعمال الإحصاء في المجال اللّغويّ والأدبيّ على وجه الخصوص حيث لاقى ألوانا من الإعراض والتْشويه. لذلك فإنّ اعتماده منهجا بحثيّا قد اتّخذ شكل المبادرات الفرديّة .وقد قام بها في أول الأمر أناس من غير المتخصّصين في اللّغة والأدب. وكان لهذه العناصر دخل في الخيبات التي مُني بها هذا الاتّجاه.

   وفي الفقرة الموالية نشير إلى بعض المراحل من دخول الإحصاء مجال اللّغة والأسلوب عند الغربيّين  ثمّ العرب .ويعود الــــفضل في لفـــت الــنّظر إلى جـــدوى استخدام الإحــصاء أداةً في الــبحث الأســلوبيّ أوّل مـرّة إلى أوغسـتـوس دي مـورقـن (  Augustus deMorgan     1806 – 1871 ). وهو أستاذ للرّياضيات بجامعة لندن . كان قد لمّح إلى أنّه من الممكن تبيّن هوّية مؤلّف لأثر مّا من معدّل طول الكلم المستعمل فيه. ولكن بقي هذا الرّأي في طيّ الإهمال إلى حدود سنة 1881 أو 1882  حين اطّلع عليه شخص أمريكيّ يدعى طوماس كورْوين مندنهال  Thomas Corwin Mendenhall    .فتأثّر به .وأجهد نفسه  في وضعه على محكّ التّجربة.

   وفي أوروبا ظهر نشاط في البحث اللّغويّ يستند إلى الجرد والعدّ والضّبط. وهو وإن كان في مجال المعجم الاستعماليّ فإنّه يقـرب فـي منهجه من منهج مندنهال. ففي سنتي 1897ء 1898 نشر ف.و.كيدينغ   F . W. Keading   معجم التّردّد للّغة الألمانيّة. وهو يضمّ ما يزيد على الأحد عشر مليون كلمة. وقد بيّن فيه:

ـ أنّ الخمس عشرة كلمة الأكثر استعمالا تمثّل 25.22% (1/4) من المجموع،

ـ وأنّ الستّ والستّين كلمة الأكثر استعمالا تمثل 50.06% (1/2) من المجموع،

ـ وأنّ الثلثمائة وعشرين كلمة الأكثر استعمالا تمثّل 72.25% (3/4) من المجموع.

   وقد تواصل هذا الاتّجاه في البحث في دراسة التّرّدد في كلم اللّغات المختلفة.

   وتوسّع توظيف الإحصاء من مجال الاستعمال اللّغويّ إلى محاولة استخدامه في تبيّن النّظام مع أعمال جورج كينغسلاي زيف  George Kingsley Zipf   من جامعة هارفارد .وهو الذي "طرح مشكلة الجوهر الاجتماعيّ النّفسيّ لتوزيع الكلم الذي يكشف عن عدد من العلاقات الملحوظة"(Guiraud; Les Caractères Statistiques du  vocabulaire 1954، 11 p.) .فقد لاحظ زيف ـ وهو يحصي الكلم في عدّة آثار من لغات مختلفة ـ أنّ ذلك الكلم إذا ما رُتّب حسب ارتفاع تردّده من مرتفع التّردّد إلى منخفضه فإنّ هناك تدرّجا  في الانخفاض مناسبا عكسا لرتبته، بحيث يبقى حاصل ضرب التّردد في الرّتبة ثابتا.  التّردّد × الرّتبة = ثابت.

   وقد أجريت دراسات من قبيل دراسة كيدينع في بلدان  مختلفة أظهرت جليّا عددا من الخصائص المشتركة .وهي:

1 ـ أنّ عددا محدودا من الكلم المنتقى في أيّ نصّ يمثّل الجزء الأعظم منه

2 ـ وأنّ عددا صغيرا جدّا من الكلمات المرتفعة التّردّد يغطي الجزء الأعظم من أي نصّ ومن الممكن أن يوضع جرد من الكلمات بحيث "

ـ أنّ المائة كلمة الأولى تغطّي 60% من أيّ نصّ

ـ و أنّ الألف كلمة الأولى تغطّي 85% منه

ـ وأنّ االأربعة آلاف كلمة تغطّي 97،5 منه

- وأنّ الأربعين أو الخمسين ألفا المتبقّية تغطّي 2،5 من أيّ نصّ

 

   واعتمد الإحصاء في الدّراسة الأسلوبيّة  مع الإنكليزيّ جورج أودناي  يول  George Udney Yule الذي لم تبلغه أصداء عمل زيف إلاّ عندما أنجز معظم عمله الأساس. وهو The Statistical Study of Literary Vocabulary   الدّراسة الإحصائيّة للألفاظ الأدبيّة الذي نشره سنة 1944.

   وبينما كانت هذه الأفكار المتّصلة بالمفردات تختمر وتتطوّر وإن بمجهودات فرديّة في المجال الأنقلو ـ سكسونيّ كان يجري في أوروبا الشّرقيّة  وفي روسيا بالذّات نشاط علميّ مشابه لما يجري في الغرب .ولكنّه اختار الشّعر مجالا للبحث. فمنذ سنة 1910 صدر للشّاعر النّاقد الرّوسيّ أ. بليج A. Bely /span> كتاب بعنوان الرّمزيّة (Symbolism ). وهو كتاب نقْد "صِيغَ فيه لأوّل مرّة برنامج لفحص البنية الشّعريّة فحصا نسقيّا إحصائيّا."(  Jiri Levy; Mathematical Aspects of the Theory of Verse, in Statistics and Style,p.95). وفي سنة 1913 نشر عالم الرّياضيات الرّوسيّ أ. أ. ماركوفA. A.  Markov القوانين التي تتحكّم في توارد الحركات والصّوامت الرّوسيّة بتطبيق الطرائق الإحصائيّة في دراسة قصيدة لبوشكين .ومنذ سنة 1923 أخذت الدّراسة الرّياضيّة للشّعر منحى جدّيّا بصدور كتابين للشّكلانيين الرّوس هما:  بحث في الشّعر لجورجي شنجالي (  Sengeli, Trakat o stikhe, Moskva-Petrograd, 1923  Georij ، 1923 ) .وقد نشر فيه بيانات لتردّد أقسام الكلم الرّوسيّ وتنويعات البيت الإيقاعيّة  ومخمّسات المقاطع لجام بوشكين (jam Puskina   وقد ألّفه بوريس طوماشفسكي (Boris Tomasevski)  .وفيه حساب للإمكانات التّوافقيّة للأدوار والقوافي ولاحتمال توالي البدائل الإيقاعيّة.

   ولمع في بريطانيا اسم جورج غوستاف هردن (George Gustav Herdan) . وقد امتاز بجمعه بين التّخصّص في الرّياضيات، إذ كان أستاذا محاضرا في هذه المادّة بجامعة بريستول الإنكليزيّة والشّغف  بالبحث اللّسانيّ  .فقد اطلع على مؤلّفات فرديناد دي سوسّير  وهمبولدت ويسبرسن وتروبتسكوي وبلومفيلد وميلّر وياكبسون وشومسكي ، إلى جانب المجالات العلميّة المحايثة للّغة وخاصّة النّظريّة الرّياضيّة للاتّصال التي وضعــها شــانّون  Shannonوأتــمّها مع ويـفــر Weaver ثمّ شاعت باســم "نظــريّة الاتّصال " (The Information Theory) .ولم يذكر يول شيئا من هذه المصادر اللّسانيّة في مؤلّفه ولم يكن في ما يبدو مطّلعا اطّلاعا  كافيا على أيّ منها.

   وظهرت في فرنسا أسماء في هذا التّوجّه أهمّها قيرو  Guiraudومولّر Muller ،  غير أنّ التّعميق الحقيقيّ للاتّجاه الإحصائيّ في المجالين اللّسانيّ والأسلوبيّ بقي في  الدّراسات الأنجلو- سكسونيّة. فقد سيطرت أعمال يول وهردن على مجال البحث اللّسانيّ الأسلوبيّ الإحصائيّ. ولكنّ هردن ، على خلاف سلفه يول الذي مال إلى التّمييز بين الأسلوبيّة الإحصائيّة واللّسانيات الإحصائيّة  ، جعل  الأسلوبيّة فرعا من اللّسانيات ، كما حاول إثبات حاجة اللّسانيات البنيويّة  إلى الإحصاء وجادل في ضرورة ذلك معارضيه مثل هالHalle وشومسكي وقد اعتبرهما من زمرة مهاجميِّ اللّسانيات الرّياضية لجهلهم بها. وقد تبنّى نظريّة دي سوسّير .ورأى أنّها لا يمكن أن تقوم دون سند إحصائيّ.

   وفي السّتّينيات من القرن الماضي  أحدث المنهج الإحصائيّ حيويّة كبيرة بل موجة قويّة في البحوث اللْغوية والأدبيّة. وقد واصل هردن تقديم نظريّته اللّغوية التكميليّة في بعض مؤلّفاته .وفي فرنسا واصل قيرو وخاصّة مولّر جهدهما . وانضمّ إليهما  جون كوهان Jean Cohen  الذي  ظهر له سنة 1966 كتاب عنوانه  بنية اللغة الشعرية. وإلى جانب المؤلّفات المستقلّة ظهرت مجلاّت تميل إلى استخدام هذا المنهج في الدّراسات اللّسانيّة والأسلوبيّة اشتهرت منها بيوميتريكا (Biometrika) والحواسيب والإنسانيات (Computers and the Humanities) والحاسوب في الأسلوب الأدبيّ (The Computer in Literary Style).

   ومن الملاحظ أنّ معظم البحوث والأطروحات قد اعتمدت الحاسوب مساعدا لازما بحيث صار البحث اللّغويّ والأسلوبّي يقوم على أسس ثلاثة الأوّل: معرفة باللّغة وقوانينها والثّاني معرفة بالإحصاء باعتباره أداةً لازمة والثّالث استعمال الحاسوب.

   ولا شكّ في أنّه كان  لذلك انعكاس على تدريس اللّغة والأسلوبيّة ومناهجهما في يومنا هذا. وفعلا فقد صار تدريس الأسلوب في الآثار الأدبيّة استعانة بالحاسوب ذي البرامج الخاصّة باللّغة جاريا به العمل في الجامعات الأنقلوسكسونيّة. وصار المدرّسون الباحثون يؤلّفون الكتب في هذا المجال ، دفعا للبحث وتعميقا للفهم وتيسيرا للباحثين المبتدئين دخول هذا الثالوث: اللّغة والإحصاء والحاسوب. ومن هذه الأعمال نذكر كتاب بيرّوس (Burrows) - وهو علم الرّياضيّات الأدبيّ - ، وكتاب بارنبروك (Barnbrook) وهو: اللّغة والحواسيب. وأدرج المنهج اللّغويّ الرّياضيّ بالاستعانة بالحاسوب في تكوين طلبة الآداب.

   وظهرت مدوّنات مغناطيسيّة وورقيّة لتشوسر وشكسبير ووردز ورث وغيرهم. وفي جامعة كليفلاند توجد مدوّنة  تسمّى مدوّنة نثر القرن، بها نصف مليون كلمة للفترة الممتدّة بين سنتي  1680 ـ 1780. وتمكّن الفرنسيّون أخيرا من أن ينشئوا في نانسي قاعدة ضخمة تضمّ سبعين مليون كلمة سمّوها كنز اللّغة الفرنسيّة (TLF)، يمكن أن يستعملها أي باحث متى شاء. ثمّ أصدروها مطبوعة على الورق توسيعا لإمكانات استغلالها. وما فتئت لسانيات المدوّنة تكتسح مجال البحث اللّغويّ .

أمّا في المجال العربيّ فأوّل المنافذ التي دخل منها الإحصاء الدّرس اللّغويّ والأسلوبيّ العربيّين كانت الأعمال الأكاديميّة .وأوّل عمل أكاديميّ استند إلى الإحصاء في عمليّاته الأولى كان بحثا باللّغة الفرنسيّة لمحمود المسعدي قدّمه لجامعة السّربون لنيل شهادة جامعيّة. وكان ذلك سنة 1957 .ولم ينشر هذا البحث إلاّ سنة 1980 .ثمّ نقله صاحبه إلى العربيّة. ونشره سنة 1996. وقد رسم هذا البحث لنفسه غاية هي تبيّن قوانين الإيقاع في ضرب من النثر الأدبيّ العربيّ .وهو النّثر المسجّع. وقد وضع أنموذجا من فنّ آخر هو فنّ الشعر باعتباره دافعا على البحث ومثالا من البحث يحتذى. فاعتمد طريقة الخليل في الاستقراء. لكنّه فضّل على وحدات القيس الخليليّة ـ أي السّبب بصنفيه والوتد بصنفيه ـ المقطعَ ، معتبرا العربيّة لغة كمّيّة أساسا. وأمّا مدوّنته فكانت مقامات بديع الزّمان الهمذانيّ ومقامات الحريريّ وصفحات من نثر الجاحظ ، كما نجد بعض الإجراأت الإحصائيّة في أطروحة محمّد الهادي الطرابلسيّ الموسومة بالخصائص الأسلوبيّة في الشّوقيات التي ناقشها بالجامعة التونسيّة سنة 1980 . وتعتبر عمليات العدّ المجراة على  القواميس العربيّة ممّا يدخل في الأعمال الإحصائيّة بالمعنى الواسع للإحصاء. وفي هذا الضّرب يندرج ما سمّي بالدّراسات الإحصائيّة لجذور المعاجم العربيّة وقد افتتحها المرحوم إبراهيم أنيس (ت 1978)  بدراسة للجذور الثّلاثيّة وغير الثلاثيّة لمعجم الصّحاح سنة 1971.وتلته دراسات أخرى في المنحى نفسه  للقواميس العربيّة الأخرى تزعّمها أستاذ الفيزياء علي حلمي موسى وفيها زاوج بين الإحصاء والحاسوب وشارك في بعضها عبد الصبّور شاهين.

   وقد برز في ميدان الدّراسات الأدبيّة الأسلوبيّة الإحصائيّة اسم الباحث المصريّ سعد مصلوح الذي  اختار أن ينهج في كل أعماله منهجا إحصائيّا كامل الشّروط  .ولكنّه لم يستند إلى الحاسوب ولم يستفد منه. وقد بدأ مشروعه البحثيّ منذ السّبعينيات .وكانت أولى ثمراته كتاب الأسلوب دراسة لغويّة إحصائيّة 1980 . ثم تلت هذا العمل جملة من الأعمال جمعها سعد مصلوح في مؤلّف واحد  صدّره بتقديم مناسب وأصدره النّادي الأدبيّ الثّقافيّ بجدّة سنة 1991 .وهو في النّص الأدبيّ، دراسة أسلوبيّة إحصائيّة. وله إلى جانب هذين المؤلّفين مشاركات علميّة متعدّدة،  دافع في بعضها عن المنهج اللّغويّ الإحصائيّ أهمّها ردّه على صلاح فضل في مقال صدر له بمجلّة فصول سنة 1985 العدد 3،  بعنوان: علم الأسلوب والمصادرة على المطلوب.